اعلنت الادارة الامريكية انها بصدد اعادة النظر في استراتيجيتها المعتمدة منذ اشهر للقضاء على “الدولة الاسلامية” بعد سيطرتها على مدينة الرمادي العراقية، ولكن هل هناك استراتيجية امريكية فعلا حتى يعاد النظر فيها، وحتى لو وُجدت فعلا (بضم الواو) فهي استراتيجية مهزوزة، مرتبكة وفاشلة.

واشنطن شكلت تحالفا عسكريا من ستين دولة من بينها دول عربية، وشنت طائراتها اكثر من 3700 غارة منذ الصيف الماضي، وتباهى المتحدثون بإسمها بأنهم نجحوا في لجم “الدولة الاسلامية”، ومنعوا توسعها، وبدأوا ينصبون سرادق الفرح للاحتفال بهذا الانجاز العظيم.

قوات “الدولة الاسلامية” نسفت هذه النظرية من جذورها، واثبتت ان اقوال المتحدثين الامريكيين المتفائلة مجرد تمنيات، لا اكثر ولا اقل، عندما افقنا في اليومين الماضيين على توجيهها صفعتين قويتين للامريكيين وتحالفهم، بالاستيلاء على مدينة تدمر في عمق الصحراء السورية، والرمادي على ابواب العاصمة بغداد.

الاستراتيجية الامريكية تقوم على اساس تكثيف الغارات الجوية، والاعتماد عليها كخيار اساسي لمنع “تمدد” “الدولة الاسلامية”، وتركت مهمة الحرب البرية للجيش العراقي الذي سلحته ودربته، واستنزفت اكثر من 25 مليارا من الخزينة العراقية لتغطية هذه النفقات، وادت هذه الخطة الى استعادة تكريت بمساعدة قوات الحشد الشعبي، ومعظمها تتكون من الميليشيات الشيعية، مثل عصائب اهل الحق، وقوات بدر، وكتائب ابو العباس.

استيلاء قوات “الدولة الاسلامية” على الرمادي وتدمر، مما يعني سيطرتها على نصف سورية، وثلث العراق تقريبا، بدد كل سحب التفاؤل الامريكية والعراقية، ودفع واشنطن الى الدعوة لعقد مؤتمر في باريس لوزراء خارجية دول التحالف الاسبوع المقبل، للتعرف على مواطن الخلل والفشل، وتعديل الاستراتيجية الحالية، او اعتماد استراتيجية بديلة.
ماذا تستطيع واشنطن ان تفعل اكثر مما فعلته طوال الاشهر العشرة الماضية من بدء غاراتها الجوية؟ المزيد من التدريب؟ المزيد من التسليح؟ المزيد من الغارات الجوية؟ ارسال قوات برية الى سورية والعراق؟

***
بداية وقبل الاجابة على هذه التساؤلات دعونا نتحدث عن اخطاء الاستراتيجية الامريكية والثقوب التي تنخرها ونلخصها في النقاط التالية:

اولا: اول عنوان رئيسي لارتباك الاستراتيجية الامريكية يتعلق في التغييرات الفجائية وغير المدروسة، بل والارتجالية في سلم اولوياتها خاصة في سورية، ففي البداية وضعت اسقاط النظام السوري على قمة اولوياتها، ثم تراجعت فجأة عن هذا التوجه، واقنعت نفسها وحلفاءها، بأن الاولوية المطلقة يجب ان تتمحور حول محاربة الارهاب و”الدولة الاسلامية” التي تعتبر عنوانه الرئيسي، الآن عادت واشنطن الى الخيار الاول، اي اطاحة النظام تجاوبا مع الضغط السعودي التركي، كل هذه التقلبات البهلوانية تمت في غضون عامين لا اكثر.

ثانيا: الاستراتيجية الامريكية في العراق تقوم على دعم حكومة السيد حيدر العبادي، ولكنها في الوقت نفسه لا تريد اغضاب ابناء الطائفة السنية، او بالاحرى، لا تريد ان تكون اداة عسكرية في يد الاكثرية الشيعية الكردية (السنية)، ولهذا طالبت السيد العبادي بتسليح العشائر السنية للتصدي لـ”الدولة الاسلامية” على غرار قوات الصحوات، التي اسسها الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات الامريكية السابقة في العراق لمحاربة “القاعدة”، ولكن السيد العبادي مثل سلفه المالكي، رفض هذا الطلب الامريكي وما زال، واصر على الاعتماد على قوات الحشد الشعبي، لانه لا يثق بالعشائر ويعتقد انها ستنقلب عليه بعد تسليحها، وستنضم، او نسبة كبيرة من مقاتليها، الى “الدولة الاسلامية”.

ثالثا: الاتفاق النووي الوشيك مع ايران اصاب الدول العربية (السنية) في التحالف الامريكي ضد “الدولة الاسلامية” بالصدمة، وجعلها تتعاطى بحالة من “الفتور” وعدم الثقة في الاستراتيجية الامريكية لمحاربة “الدولة الاسلامية”، وبدأ اعلام هذه الدول الرسمي، وغير الرسمي، في اتهام واشنطن بطعن دول الخليج في الظهر، واعتماد ايران كحليف استراتيجي اقليمي قوي على حسابها.

هذا التقلب في الاولويات الامريكية، والتخبط في اختيار الحلفاء، وغياب التركيز السياسي والعسكري، صب كله في خدمة “الدولة الاسلامية” التي استغلته بشكل جيد، وفاجأت الجميع بتمددها وانتصاراتها في جبهات القتال على الارض في الشرق السوري والوسط العراقي.

ولا نستغرب، او نستبعد، ان انسحاب القوات السورية، وعدم دفاعها باستماته عن مدينة تدمر، جاء بمثابة رسالة لواشنطن تقول صراحة بأن سقوط هذه المدينة الاثرية العالمية في ايدي “الدولة الاسلامية” هو الرد المباشر على تغيير سلم اولوياتكم، وجعل خيار مواجهة هذه “الدولة” في ذيل هذا السلم، وعليكم تحمل المسؤولية كاملة ومواجهة هذه “الدولة” لوحدكم، وما يترتب على ذلك من نتائج، وهذا لا يعني اننا لا نتفق مع النظرية التي تقول ان الجيش السوري بات منهكا من طول امد الحرب، والتسليح والتمويل السعودي التركي القطري للمعارضة المسلحة الذي ادى الى سقوط مدن رئيسية، مثل ادلب وجسر الشغور وقاعدة “المسطومة” العسكرية، المعقل الاخير للنظام السوري في الاولى (ادلب).

لا نعرف كيف ستتعاطى واشنطن مع الهزائم الكبيرة والصادمة التي الحقتها قوات “الدولة الاسلامية” بها وحلفائها العراقيين، فزيادة عدد الطلعات الجوية لن يغير كثيرا من واقع الحال، واعادة تدريب وتسليح الجيش العراقي من المستبعد ان تعطي نتائج ايجابية، فكم مرة ستسلح وتدرب، وتعيد تأهيل هذا الجيش؟ الم يقولوا الكلام نفسه، ويضعوا الخطط نفسها بعد سقوط الموصل؟

***
ما لا تدركه واشنطن ان قوات “الدولة الاسلامية” ليست من اصحاب اللحى والمتشددين الاسلاميين فقط، وانما خليط من هؤلاء الذين يقودون الشاحنات التي تحمل اطنان من المتفجرات في عمليات انتحارية طلبا للشهادة، حسب ادبياتهم، وجنرالات كبار كانوا ينتمون الى قوات الحرس الجمهوري والجيش العراقي، وتعلموا في كبار الكليات والاكاديميات العسكرية في الغرب والشرق معا، دفعهم الجنرال بول بريمر الحاكم العسكري للعراق في ايام الاحتلال الاولى الى احضان الاسلام المتشدد، بعد ان حل جيشهم ووحدات حرسهم وقذف بهؤلاء الى اليأس والاحباط والتهميش، وعمليات الاجتثاث، استجابة لنصائح من ساندوا هذا الاحتلال لبلادهم.

اي نظرية يمكن ان يستخدمها المدرب العسكري للقوات العراقية حول كيفية مواجهة هذه الشاحنات المفخخة، تفجيرها؟ فهل معدة اصلا لمثل هذا الغرض!

ربما تنجح الحشودات العسكرية الامريكية العراقية في استعادة الرمادي بعد اخراج قوات “الدولة الاسلامية” منها، ولكن هذا لا يعني عدم سقوطها مرة اخرى؟

استيلاء قوات “الدولة الاسلامية” على الرمادي أخّر معركة استعادة الموصل، وعزز مخازن هذه الدولة بأسلحة ومعدات عسكرية امريكية حديثة جدا، تركها الجيش العراقي وراءه قبل الهروب من المدينة للنجاة من الموت، تماما على غرار ما حدث في الموصل، والرقة، ودير الزور، مضافا الى كل ذلك ان الاثر النفسي والمعنوي لهذه الهزيمة من الصعب معالجته بسهولة.
العراق يعيش ازمة لا تقل عن ازمة جاره السوري، والسبب الرئيسي في كل ما حدث ويحدث هو الامريكيان واحتلالهم والثقة بهم، فهؤلاء يلعبون على الحبال الطائفية والعرقية، ويريدون في نهاية الامر تمزيق المنطقة وتفتيتها واغراقها في حروب اهلية، ومن يقول غير ذلك يعيش في عالم آخر.