تعهد السيد حيدر العبادي رئيس وزراء العراق يوم امس باستعادة مدينة الرمادي التي سيطرت عليها قوات “الدولة الاسلامية” قبل اسبوع في غضون ايام معدودة، في محاولة من جانبه لمسح “فضيحة” انهيار قوات الجيش العراقي المتمركزة فيها، ويقدر تعدادها بالآلاف امام مئتين من مقاتلي “الدولة الاسلامية” تقريبا.

هذا الانهيار لوحدات الجيش العراقي في الرمادي، الذي يعتبر الثاني، بعد فضيحة انهيار آخر على نطاق اوسع في الموصل قبل عام تقريبا، دفع اشتون كارتر وزير الدفاع الامريكي الى رش الملح على جرح هذا الجيش، وقيادته السياسية والعسكرية عندما قال “انه جيش لا يملك ارادة القتال، ونستطيع كأمريكان ان نقدم له الاسلحة المتقدمة والتدريب الجيد ولكننا لا نستطيع تزويده بارادة القتال”.
اهانة كارتر هذه “اوجعت” السيد العبادي ودفعته الى محاولة الرد عليها، واثبات خطأها، بأسرع وقت ممكن من خلال التعهد باستعادة الرمادي، وفعلا بدأت القوات العراقية مدعومة بقوات “الحشد الشعبي” المكون في معظمها من عناصر تابعة لميليشيات شيعية في التدفق الى اطراف المدينة استعدادا لهجوم كاسح ضدها لانزال علم “الدولة الاسلامية” من سارية المجمع الحكومي ورفع العلم العراقي فوقها.
***
قوات الجيش العراقي مدعومة بالآلاف من قوات ميليشيات الحشد الشعبي ربما تنجح في استعادة الرمادي في ايام معدودة، بسبب التسليح الجيد والغطاء الجوي الامريكي، والرغبة الجامحة في الثأر، ومسح “عار” سقوط المدينة، ولكن اطلاق اسم “لبيك يا حسين” على هذه العملية، بما له من دلالات طائفية في نظر البعض، ربما يلحق ضررا كبيرا بالسيد العبادي وحكومته، والمهمة التي جاء من اجل تحقيقها، من حيث اثارة غضب معظم ابناء منطقة الانبار والمناطق السنية الاخرى، وبما يخدم في نهاية المطاف “الدولة الاسلامية” ومشروعها الطائفي الدموي.
السيد احمد الاسدي قائد قوات “الحشد الشعبي” قال ان العملية التي اطلق عليها تسمية “لبيك يا حسين” هي تحضير لـ”تحرير” الانبار، وبدأت فعليا في منطقة شمال صلاح الدين، وجنوب غرب تكريت وشمال شرق الرمادي.
بعد التجاوزات، واعمال القتل الانتقامية البشعة التي مارستها قوات الحشد الشعبي في مدينة تكريت بعد استعادتها من قوات “الدولة الاسلامية”، ثارت حالة من الجدل حول مشاركة هذه الميليشيات الى جانب الجيش العراقي في الحرب، لانها احيت النعرات المذهبية، وبالاحرى صب المزيد من الزيت على نارها، واكدت للكثير من العراقيين ان حكومة السيد العبادي لا تختلف كثيرا عن حكومة سلفه السيد نوري المالكي من حيث نزعاتها ومنطلقاتها الطائفية، الامر الذي دفع بالسيد العبادي الى استبعاد قوات الحشد الشعبي من اي مشاركة في الحرب ضد “الدولة” في اي من المناطق السنية الاخرى، خاصة ان حكومته رفضت كل المطالب بتسليح العشائر السنية، وابنائها الراغبين في التصدي لهذه “الدولة” وقواتها المتغولة في سفك الدماء، سواء دماء ابناء الطائفة الشيعية او السنية، على حد سواء، فهي “طائفية”، اي “الدولة” في كل شيء الا سفك دماء من يختلف معها سياسيا او مذهبيا، وضحاياها من ابناء الطائفة السنية اكثر بكثير من نظرائهم من ابناء الطوائف والاعراق الاخرى.
اطلاق تسمية “لبيك يا حسين” على عملية “تحرير” الانبار والمدن السنية الاخرى، وفي مثل هذا التوقيت، يشكل في نظر البعض “استفزازا” خطيرا للمكون السني في العراق، ويكرس التقسيمات الطائفية، ويجعل التعايش بين الطوائف والاعراق في “العراق الجديد” مسألة شبه مستحيلة، مثلما سيشكل احراجا للادارة الامريكية التي تسلح وتدرب الجيش العراقي، وتوفر له وقوات الحشد الشعبي المقاتلة في صفوفه، الغطاء الجوي، بحيث اصبح طيرانها سلاحه الجوي، الذي لولاه لما تمكن هذا الحلف من استعادة مدينة تكريت، ومعظم محافظة صلاح الدين، ولوصلت قوات “الدولة” الى بغداد، بل ربما البصرة في الجنوب.
الحفاظ على الوحدة الوطنية العراقية من المفترض ان تعطي (بضم التاء) الاولوية المطلقة بحيث تتقدم على ردود الفعل الانفعالية الغاضبة بسبب سقوط مدينة الرمادي، او محاولة الرد بسرعة على “اهانة” وزير الدفاع الامريكي التي وجهها الى الجيش العراقي.
الجيش العراقي وحده الذي من المفترض ان يكون حاميا للعراق وجميع طوائفه ومناطقه، هو الذي يجب ان يقاتل تنظيم “الدولة الاسلامية” وان لا يستعين بأي ميليشيات طائفية لمساعدته في انجاز هذه المهمة، فاذا كانت قوات “الدولة الاسلامية” غير شرعية وطائفية، وخارجة عن القانون ويجب محاربتها، فان الامر نفسه يجب ان ينطبق على الميليشيات الشيعية ايضا، والا لماذا جرى انفاق 25 مليار دولار على تسليح هذا الجيش وتدريبه على مدى السنوات العشر الماضية.
***
انضمام ميليشيات الحشد الشعبي الى قوات الجيش العراقي استعدادا لـ “تحرير” الانبار وصلاح الدين وتسميتها بعملية “لبيك يا حسين” افضل هدية يمكن ان تقدم الى “الدولة الاسلامية”، وزعيمها السيد ابو بكر البغدادي لانها ستؤدي حتما الى انضمام عشرات الآلاف من المتطوعين للقتال في صفوفها سواء من داخل العراق وسورية او من بلدان اسلامية عديدة.
بسبب هذه النزعات الطائفية المتفاقمة، واستفحال الفساد في صفوف الحكومة العراقية المركزية، ومؤسساتها، وضعف الجيش العراقي، وغياب العقيدة القتالية الجامعة له ولقيادته، “تتمدد” الدولة الاسلامية وتتسع رقعتها، وتستولي على المدن العراقية والسورية، الواحدة تلو الاخرى، وتفرض نفسها كأمرواقع وتعزز امكانياتها المالية والعسكرية والبشرية، بما تستولي عليه من “مغانم”، وما تفرضه من “مكوس″ على “مواطنيها”.
ولا نستغرب اذا ما اقدم السيد البغدادي على ارسال برقية شكر الى السيد العبادي، وقادة جيشه، والحشد الشعبي على هذه الهدايا الثمينة التي يقدمونها له بحسن نية او سوئها.