خطاب الرئيس السوري بشار الاسد الذي القاه قبل يومين في تجمع لمندوبي النقابات والاتحادات المهنية انعقد في دمشق انطوى على صورة اقرب الى التشائمية جرى استخلاص بعض ابعادها من خلال فقرات اعترف فيها بعدم قدرة الجيش السوري على القتال على جبهات عديدة، في مواجهة معارضة شرسة مسلحة بأحدث الاسلحة، واعترافه بحدوث انسحابات من بعض المناطق للدفاع عن مناطق اخرى قد تكون اكثر اهمية، الامر الذي فتح مجالا واسعا للتأويلات والتفسيرات، ومن بينها بدء العد التنازلي لقيام دولة علوية الطابع في الساحل السوري.

الجيش السوري يعيش حالة من الانهاك فعلا بعد اربع سنوات من حرب الاستنزاف المتواصلة لم يتمكن فيها من التقاط انفاسه، وفي ظل دولة محاصرة، وخطوط امداد متقطعة وغير آمنة، نجحت فيها المعارضة المسلحة في ارباكه، وتشتيته، وهذا النجاح يحسب لها، ولكن ربما يكون من المبكر الذهاب بعيدا وتوقع انهيار النظام في الاسابيع او الاشهر المقبلة، لان المتغيرات على الساحتين الاقليمية والدولية بدأت تشكل ضغوطا كبيرة على الآخرين ايضا في مناهة كبرىة اسمها “الشرق الاوسط.
***

الولايات المتحدة الامريكية والدول الغربية والعربية المنضوية تحت خيمة تحالفها في المنطقة، تتبع في الملف السوري الحرب نفسها التي اتبعتها للتمهيد لاحتلال العراق، ومن ثم تغيير النظام في بغداد، من حيث اقامة مناطق عازلة، وتشديد الحصار الخانق، بما يؤدي الى خلق فجوة بين النظام والشعب اولا، وبين النظام وجيشه ثانيا، وانهيار منظومة القيم التي تدعو للصمود والمقاومة، واستبدالها بقيم واخلاق انانية بحته تبحث عن الخلاص بأي طريقة ممكنة بغض النظر عن الكيفية وهوية الجهة المخلصة (بتشديد اللام).

هذه الاستراتيجية حققت بعض النجاحات الملموسة حتى السنة الثالثة من الازمة السورية، انعكست في انشقاقات، وموجات نزوح، وانخفاض في المعنويات، ولكنها سرعان ما تراجعت او تجمدت بالاحرى، بسبب بزوغ نجم قوة ثالثة على درجة كبيرة من القوة والخطورة تتمثل في “الدولة الاسلامية”، احدثت انقلابا في سلم الاولويات الامريكية والدولية، وانعكس هذا الانقلاب في الانتقال في الحديث من العمل على اسقاط النظام الى التمسك به، ومؤسساته لعدم تكرار التجربتين الدمويتين في ليبيا والعراق، وتوحيد كل الجهود في الحرب لمواجهة خطر “الدولة”، بل وظهرت نظريات تدعو الى اشراك النظام، باعتباره يملك الخبرة الاهم، في الحرب المذكورة، وبعد ذلك لكل حادث حديث.

هناك تطوران رئيسيان في المشهد السوري ربما يؤديان الى خلط الاوراق والتحالفات، بما يمكن ان يخفف الضغط على النظام السوري ولو بشكل مؤقت:

الاول: الصدام المتصاعد بين النظام التركي وحزب العمال الكردستاني، وانهيار هدنة عام 2013 بين الجانبين، وما يعنيه هذا من احتمال حدوث تصدع في الخريطة الطائفية والعرقية التركية.

الثاني: الاتفاق النووي الايراني الامريكي وما بات يتكشف من ملاحق سرية له تتحدث عن تفاهمات اقليمية بين الطرفين حول الوضع في كل من سورية والعراق، الامر الذي اثار ويثير دولا مثل السعودية وتركيا.

اذا بدأنا بالتطور الاول يمكن القول بان الحرب الكردية التركية قد تجعل الاكراد في تركيا وسورية والعراق يتوحدون بشكل اقوى من اي وقت مضى ضد حكومة انقرة، ويلتفون في الوقت نفسه حول النظام في دمشق، او يخففون، والاكراد السوريون خاصة، من عدائهم له، والتخلي ولو بطريقة براغماتية مؤقتة عن طموحاتهم بالاستقلال او اقامة مناطق حكم ذاتي خاصة بهم على غرار كردستان العراق.

مسألة اخرى تستحق التوقف عندها، وهي ان الذهاب الى انتخابات تركية مبكرة قد تعطي نتائج غير التي يريدها حزب العدالة والتنمية بزعامة الرئيس رجب طيب اردوغان، اي الحصول على الاغلبية البرلمانية مجددا، لان الاكراد قد يتحالفون مع العلويين في جبهة متشددة تعزز احزاب المعارضة وهؤلاء يمثلون مجتمعين، بالاضافة الى اقليات اخرى، اكثر من نصف الشعب التركي.
اما اذا انتقلنا الى النقطة الثانية وهي الاتفاق النووي الامريكي، فانه نقل المنظومة الايرانية، ومن ضمنها سورية، من خانة الاعداء الى خانة عدم الاعداء، ولا نقول الحلفاء، والا نعتقد ان النظام السوري الذي يواجه هذا التحالف الجبار ضده بسبب انحيازه لايران لن يخرج من جَمل الاتفاق بأقل من كبده.

***
اقامة منطقة حظر جوي في مثل هذه المنطقة السورية الشمالية الغربية حيث نقطة تقاطع دول اقليمية ودولية ربما لن تكون عملية سهلة ويسيرة، وهذا ما يفسر التسريبات الامريكية حول عزم موافقة واشنطن “كليا” على قيام هذه المنطقة، فهناك روسيا والصين، وعلينا ان نتذكر الرئيس العراقي صدام حسين كان يقف وحده ودون مساندة هاتين الدولتين له اثناء فرض مناطق الحظر خارج مظلة الامم المتحدة وبقرار منها، لاسباب ليس هنا مجال ذكرها.

النظام السوري ما زال يعيش مأزقا خطيرا رغم وجود حالة شبه اجماع دولي على عدم سقوط الدولة السورية، ولكن مأزق الآخرين من اعدائه الاقليميين خاصة، بدأ ينمو ويتعمق بسرعة مع فارق اساسي ان السوريين الموالين للنظام بدأوا يتعايشون مع الحرب مكرهين، بينما ليس هذا هو حال الآخرين.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة حاليا، هو هل تريد تركيا توريط امريكا في سورية، ام العكس؟

لا نملك الاجابة، ولكننا نملك ترف التكهن، ونجازف بالقول ان امريكا هي التي تريد توريط تركيا في سورية، تماما مثلما ورطت الرئيس صدام حسين في الكويت، فطموحات الرئيس اردوغان في اعادة احياء الخلافة العثمانية، واخراج المارد التركي من قمقمه في صورة قوة اقتصادية عظمى في وقت يعاني فيه الغرب من صعوبات شتى يشكل خطرا حقيقيا عليه ومصالحه في المنطقة، واكبر بكثير من خطر النظام السوري، و”الدولة الاسلامية”، متفرقين كانا او مجتمعين، والله اعلم.