احدثت جريمة وفاة اكثر من سبعين مهاجرا معظمهم من السوريين، ومن بينهم اربعة اطفال، خنقا في شاحنة مخصصة لنقل الاطعمة المجمدة والمبردة حالة من الصدمة في الاوساط الاوروبية وليس العربية حتما، ولكن سرعان ما ستتبدد هذه الصدمة انتظارا لاخرى، سواء على الياسبة، او في قوارب الموت في عرض البحر، طالما استمرت اعمال القتل والدمار في سورية، وغابت الحلول السياسية العادلة والمنصفة.

المهاجرون السوريون الذين راحوا ضحية مهربين جشعين، وحكومات اوروبية تغلق ابوابها في وجوههم، وهي التي لعبت دورا كبيرا في مأساتهم وتدمير بلادهم، وقتل اكثر من ثلاثمائة الف من ابناء جلدتهم، هؤلاء واجهوا الموت خنقا ودون ان يشعر بهم احد، في تجسيد آخر، وبعد اكثر من نصف قرن، لرواية الاديب الفلسطيني غسان كنفاني “رجال تحت الشمس″ التي قضى ابطالها الباحثين عن العمل ولقمة الخبز لاطفالهم في الكويت في قلب صهريج تحت شمس حارقة، شهداء العوز والحاجة، ابطال غسان كنفاني كانوا ضحية عدو اسرائيلي احتل بلادهم واقتلعهم من ارضهم، وشهداء الشاحنة المبردة من السوريين كانوا ضحايا مؤامرة عربية وعالمية استغلت معاناتهم، وحاجتهم الى العدالة وقيم الحرية والعيش الكريم لتدمير بلدهم وتفتيته تحت ذرائع متعددة.

وعندما نقول ان اوروبا التي تعتبر من اكثر بلاد العالم رخاء وامنا تتحمل مسؤولية مباشرة عن مأساة هؤلاء اللاجئين، فإننا نعني بذلك تدخلها العسكري الى جانب الولايات المتحدة، او خلفها، لاحتلال العراق، وقصف ليبيا، والتدخل في سورية بطريقة مرتبكة، الامر الذي ادى الى تحويل خمس دول عربية على الاقل الى دول فاشلة تسودها الحروب الاهلية والطائفية، وتحكمها الميليشيات المسلحة، وتحولها الى غابة سلاح.

الدول الغربية في معظمها اغلقت ابوابها في وجه اللاجئين العرب والافارقة، وتغاضت عن موت عشرات الآلاف منهم في عرض البحر، رغم انها بحاجة ماسة الى هؤلاء المهاجرين لاصلاح التركيبة المجتمعة لسكانها، حيث تسود الشيخوخة وتتضائل اعداد الطبقة العاملة الشابة، فاستيعاب هؤلاء في سوق العمل الاوروبية فائدة لاوروبا وليس منّة منها.

هؤلاء الذين لقوا حتفهم في شاحنة الموت لا يستحقون هذه المعاملة غير الانسانية، لان قضيتهم عادلة، ولجوئهم مشروع، وفروا بأرواحهم من الموت وقذائف الهاون وصواريخ المعارضة المسلحة، وبراميل الحكومة، ولذلك كان يجب فتح كل الابواب الاوروبية لهم وامثالهم انطلاقا من القيم الاوروبية التي يتحدثون عنها ليل نهار، وهي قيم اجارة المستجير، وايواء اللاجيء، ومساعدة المحتاج.

ما كنا نتمنى ان يتعرض هؤلاء الاشقاء من السوريين الى هذه المخاطر، وهم الكرام الذين فتحوا قلوبهم وبيوتهم لملايين العرب من لبنانيين وفلسطينيين وعراقيين الى مثل هذه المعاملة الجائرة المهينة، ويضطرون للهجرة الى اوروبا وليس الى بلاد العرب الاغنى، والاكثر حاجة الى خبراتهم وعقولهم، الاقرب اليهم جغرافيا وثقافيا ودينيا.

لبنان، الصغير في حجمه، استوعب اكثر من مليون لاجيء سوري، اي ما يعادل ربع سكانه، وفعل الاردن الشيء نفسه واستوعب مليون سوري الى جانب مليون لاجيء عراقي، وهو الفقير المعدم، الذي لا يوجد فيه ماء يكفي لسد عطش هؤلاء الذين باتوا يمثلون ثلث عدد سكانه، ناهيك عن طعامهم وامنهم، بينما استوعب السودان في فترة ما اكثر من اربعة ملايين اريتري واثيوبي، وجاره اليمن اكثر من مليوني صومالي، فلماذا تغلق دول خليجية عربية غنية تمول المعارضة المسلحة في سورية بالمال والسلاح، وتدعي الحرص على الشعب السوري وحرياته وامنه وارواح ابنائه، ابوابها باحكام في وجه لاجئيه، ولا تكرم وفادتهم، وتوفر لقمة الخبز بكرامة لهم، ودون اي تمنن، ولا تفتح امام شبابه كل فرص العمل، وهم الاكفاء المنتجون؟
رحم الله هؤلاء الشهداء، وكل الاشقاء السوريين والعرب الآخرين الذين ضاقت بهم فرص الحياة الكريمة في بلادنا العربية، وخسروا ارواحهم في عرض البحر او على اليابسة بحثا عن ملجأ آمن.