اقرار وزير الدفاع الامريكي اشتون كارتر امام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، بأن برنامج تدريب مقاتلي المعارضة السورية “المعتدلة”، انطلق ببطء شديد، بحيث لم يشمل سوى ستين شخصا فقط، يمثل فضيحة اخرى للاستراتيجية الامريكية في العراق وسورية.

سبعة آلاف سوري تقدموا للانضمام الى برنامج التدريب المخصص لتكوين جيش يتولى محاربة “الدولة الاسلامية”، ولم يتم اختيار الا ستون شخصا فقط، يصلحون لهذه المهمة، اما الباقون فكانوا يبحثون عن وظيفة، ومصدر رزق لا اكثر ولا اقل، ولا يمكن الاعتماد عليهم، او الثقة فيهم، لانهم قد ينضمون الى “الدولة” التي جرى تجنيدهم لمحاربتها، او في افضل الاحوال لا يملكون “ارادة القتال”، مثل الآلاف من جنود الجيش العراقي الذين رموا سلاحهم وهربوا، قبل اطلاق رصاصة واحدة تجاه قوات “الدولة” الزاحفة نحو الموصل، وبعدها الرمادي.
***

ادارة الرئيس باراك اوباما تأمل في تدريب خمسة آلاف متطوع سنويا في اطار هذا البرنامج، ولكن الامنيات شيء، والواقع شيء آخر مختلف تماما، وتجربة الجيش السوري الحر شاهد عيان في هذا الصدد، فقد تبددت معظم الرهانات على هذا الجيش رغم المليارات التي ضختها دول خليجية على تدريبه وتسليحه، وانكمش هذا الجيش الى وحدات قليلة لاسباب عديدة، من بينها عدم الثقة بالامريكيين، وعدم الرغبة في التحول الى “قوات صحوات” سورية تحارب جماعات اسلامية متشددة، وخاصة “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة” و”احرار الشام”، واذا كانت بعض الوحدات شذت عن هذه القاعدة، فهي محدودة للغاية.

الاستراتيجية الامريكية في سورية والعراق تتسم بالتخبط، وتنتقل من فشل الى آخر، لانها غير واضحة المعالم، وتتغير اولوياتها بشكل متسارع، فتارة تكون الاولوية لاطاحة النظام بالقوة، وتارة اخرى محاربة “الدولة الاسلامية” بهدف اضعافها تمهيدا للقضاء عليها وتارة ثالثة لتأكيد على الحل السياسي كمخرج وحيد للازمة، ومن الواضح انها تتعثر في الحالات الثلاث، فالنظام السوري ما زال صامدا بعد اربع سنوات من بدء انطلاق الحرب التي تستهدفه بدعم من الولايات المتحدة ودول خليجية (قطر والسعودية) علاوة، على تركيا، و”الدولة الاسلامية” تزداد قوة وتمددا كدولة “امر واقع″ في بلدين، هما سورية والعراق كمرحلة اولى، ونقطة انطلاق لاقتطاع اراض جديدة من دول الجوار، كمرحلة ثانية وثالثة ورابعة اذا استمر الوضع على حاله.

من الواضح ان الولايات المتحدة بدأت “تغسل” يديها تدريجيا من العرب، سنة وشيعة، وتضع كل بيضها في سلة الاكراد، تقدم لهم السلاح والتدريب، الامر بدأ ينعكس على شكل “انتصارات” على الارض ضد “الدولة الاسلامية” في المناطق الشمالية الشرقية السورية، بما في ذلك الاستيلاء على مدينة تل ابيض القريبة من الحدود التركية، وشبه متصلة جغرافيا مع منطقة الحكم الذاتي مع كردستان العراق.

ارادة القتال لدى الاكراد تجاه محاربة “الدولة الاسلامية” قوية ومضمونة، بسبب طموحاتهم القومية في اقامة دولة كردية في شمال سورية والعراق وجنوب تركيا، وهي المخاوف التي قد تؤدي الى حدوث تقارب بين الدول الاقليمية الاربع، اي تركيا والعراق وسورية وايران، ووضع خلافاتها جانبا في المستقبل المنظور، ومن هنا يمكن فهم المبادرة الروسية التي طرحها الرئيس فلاديمير بوتين، وتطالب بتكوين تحالف رباعي سعودي تركي سوري اردني لمواجهة خطر “الدولة الاسلامية”، ومن هنا ايضا يمكن النظر الى الحشودات العسكرية التركية شمال سورية، وتصريحات الرئيس رجب طيب اردوغان التي اكد فيها ان بلاده لا يمكن ان تسمح بقيام دولة كردية تمتد على طول الحدود الجنوبية لبلاده، وسط صمت رسمي سوري، وهو صمت المؤيد هذه المرة، على عكس مرات سابقة.

السيد وليد المعلم وزير خارجية سورية الذي كان حاضرا عندما طرح الرئيس بوتين مبادرته هذه، وصف قيام هذا التحالف الرباعي بانه “معجزة” في زمن انعدمت فيه المعجزات، ولكنه لم يبد اي معارضة لهذه المبادرة من “حيث المبدأ” على الاقل، كما اننا لم نسمع اي رفض صريح لها من قبل المملكة العربية السعودية والاردن وتركيا، حتى كتابة هذه السطور.

***
التخبط الامريكي سيستمر، وربما يكون متعمدا، والهدف منه كسب الوقت، انتظارا لما يمكن ان تسفر عنه مفاوضات ربع الساعة الاخيرة في فيينا، بشأن الاتفاق النووي بين ايران والدول الست العظمى سلبا او ايجابا، وبعدها لكل حادث حديث.

الرهانات الامريكية في المنطقة العربية كانت في معظمها خاسرة وتنتهي بفشل باهظ التكاليف، فرهانها على المعارضة العراقية ربما نجح في اطاحة الرئيس العراقي صدام حسين، ولكنه انتج دولة فاشلة شكلت الحاضنة لنمو “الدولة الاسلامية”، والشيء نفسه تكرر في ليبيا واليمن، ولا نعتقد ان الحال سيكون مختلفا في سورية، وخاصة الشق المتعلق منه بالرهان على الاكراد لمحاربة “الدولة الاسلامية”، لما يمكن ان يترتب عليه من خلط للاوراق وقلب للتحالفات وكوارث للاكراد انفسهم الذين قبلوا بالدور القديم الجديد، والثقة بالوعود الامريكية التي انتهت في الماضي بخيبة الامل، والمجازر الدموية، وليس هناك ما يشير بأن الحاضر قد يكون افضل من الماضي.

المنطقة مقبلة على مفاجآت جديدة وانقلاب في المعادلات والتحالفات، وتراجع السيد نبيل العربي امين عام الجامعة العربية الفاضح عن “غزله” “الموثق” تجاه السوريين، وعودته الى التشدد مجددا لان هناك من “قرص” اذنه بعد تصريحاته التي اكد فيها رغبته للقاء السيد المعلم في اي مكان وزمان يحدده الاخير، تضيف تخبطا عربيا الى التخبط الامريكي، ونحن في كل الاحوال في انتظار “معجزة” الرئيس بوتين، وخطوة اردوغان القادمة التي ستتلو حشوداته العسكرية شمال سورية، وهي خطوة ستحدد ملامح الخريطة الجديدة للمنطقة وتحالفاتها.

لا نملك وغيرنا الا الانتظار، ففي رمضان الماضي كان العدوان الاسرائيلي على غزة، واعلان السيد ابو بكر البغدادي دولة الخلافة من الجامع النوري الكبير في الموصل، ترى ما هي مفاجآت الايام العشرة الاخيرة من رمضان، او عيد الفطر السعيد؟ وهل سيكون سعيدا فعلا؟