المشكلة الكروية المتفاقمة بين المملكة العربية السعودية واتحادها الكروي، والسلطة الفلسطينية، ممثلة بالجنرال جبريل الرجوب، رئيس اتحاد كرة القدم الفلسطيني تعكس مدى تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية لدى الطرفين وتخفيها خلف اعذار واهية.

بداية نؤكد هنا اننا كنا، وما زلنا، وسنظل، ضد اشكال التطبيع كافة بين الدول العربية والاسلامية ودولة الاحتلال الاسرائيلي، رسميا كان هذا التطبيع او شعبيا، وعارضنا موقف السلطة الفلسطينية الذي يناشد العرب والمسلمين زيارة القدس المحتلة، والصلاة في المسجد الاقصى، لاننا نرى في ذلك تطبيعا يخدم السلطات الاسرائيلية، ويحسن صورتها البشعة العنصرية في العالم بأسره، لان هذه السلطات لو شعرت للحظة ان تدفق المسلمين الى الاراضي المحتلة يشكل خطرا عليها، او يصب في غير مصلحتها، لاغلقت الباب، ورمت بمفتاحه في قلب البحر الميت.

***
ان نعارض التطبيع لا يعني اننا نقف في الخندق السعودي في هذه الازمة، فالمسؤولون السعوديون عندما يرفضون اقامة مباراة الاياب في تصفيات كأس العالم الآسيوي في استاد المرحوم فيصل الحسيني في القدس المحتلة، لا يعارضون التطبيع مع دولة الاحتلال كليا، مثلما يقولون، والا لما شهدنا الجنرال الدكتور انور العشقي، احد ابرز المستشارين في الدولة، يزور القدس المحتلة اكثر من مرة، على رأس وفد كبير، ويلتقي مسؤولين اسرائيليين سيرا على خطى الامير تركي الفيصل، ولما شهدنا ايضا مندوبين عن صحف اسرائيلية يزورن الرياض ويلتقون بمسؤولين سعوديين، ويجلسون خلف لافته تحمل اسم صحفهم في مقرات المراكز الصحافية السعودية.

الجنرال الرجوب لا يعتبر اقامة مباراة في القدس المحتلة تطبيعا بدوره، ويضرب مثلا بقيام فريق دولة الامارات باللعب فيها، ودون ان يتوقف امام حاجز اسرائيلي، او يتعرض جواز سفر اي من اللاعبين للختم بنجمة داوود، وهذا صحيح، ولكن كل ترتيبات الدخول والامن تتم بموافقة الحكومة الاسرائيلية ودعمها، ومن يقول غير ذلك يغالط نفسه، قبل ان يخدع الآخرين، واسألوا شباب الانتفاضة وثورتهم المباركة في وجه الاحتلال والسلطة معا.

لا نريد الخوض في هذا الجدل العقيم، وايراد الحجج والاخرى المضادة لها، “فالجنازة حارة والميت كلب” مثلما يقول المثل الشعبي، والمسألة كلها محصورة في مباراة كرة قدم، وثلاث نقاط، ولا تستحق كل هذا الخلاف الذي ينعكس سلبا على قضية عربية مصيرية، ويحرف الانظار عن انتفاضة مشرفة ضد الاحتلال والانتهاكات الاستفزازية الاسرائيلية للحرم القدسي الشريف، واعداد الشهداء المتصاعد.

المملكة العربية السعودية سباقة في تقديم المبادرات، ليس الكروية فقط، وانما السياسية ايضا، وهي صاحبة الطبعة الاصلية من مبادرة السلام العربية التي عرضت التطبيع الكامل مقابل الانسحاب الكامل قبل 13 عاما، وقوبلت بالرفض الاسرائيلي المهين، ومع ذلك تواصلت الاجتماعات واللقاءات “غير الرسمية” السعودية والاسرائيلية، فلماذا لا تبادر السلطات السعودية الكروية بحل وسط ينهي هذه المشكلة من اساسها، وهي التي كانت الوسيط في نزاعات عربية سياسية اكبر؟

بمعنى آخر، لماذا لا تقبل السلطات السعودية بإقامة هذه المباراة على ارض قطاع غزة، حيث لا سلطة للاسرائيليين، ولا حواجز لهم، ومن المؤكد ان مليونين من ابناء قطاع غزة المحاصرين المجوعين سيستقبلون اعضاء المنتخب الكروي السعودي كاخوة وضيوف اعزاء وابطال، كسروا الحصار، وسيقدرون لهم حضورهم هذا الى سجنهم الكبير، ولا نبالغ اذا قلنا انهم سيشجعونهم اكثر من الفريق الفلسطيني نفسه، فهؤلاء هم رجال الانتفاضة الذين تصدوا ببطولة لعدوانين اسرائيليين وانتصروا عليهما، وقدموا آلاف الشهداء دفاعا عن كرامة العرب والمسلمين جميعا.

***
واذا كان السعوديون لا يقبلون بحل الوسط هذا، وهو اكثر الحلول لصالحهم، كرويا ووطنيا، فليذهبوا الى عاصمة وسط، ولتكن عمان او الجزائر او تونس او المغرب، ونحن على يقين بأن شعوب هذه العواصم سيكونون اكثر استماته في تشجييع المنتخب الفلسطيني من الفلسطينيين انفسهم، لان معظم مشجعي هذه الدول لا يكنون الكثير من الود للمملكة العربية السعودية، بسبب حربها في كل من اليمن وسورية، وستكون المخاطر الامنية اكبر من نظيرتها في قطاع غزة.

نشعر بالمرارة والاسف لوجود هذه الازمة في الاساس، وبين طرفين من المفترض انهما شقيقين، ونحن على يقين بأن وصول الفريق السعودي الى التصفيات النهائية لكأس العالم سيكون موضع ترحيب واحتفال الغالبية الساحقة من ابناء الشعب الفلسطيني، وانا اولهم، مثلما هي عادتهم مع كل الفرق العربية المتأهلة، والشيء نفسه يقال ايضا عن الشعب السعودي الشقيق، في حال تأهل الفريق الفلسطيني، وهو امل ضئيل على اي حال.

هذه ازمة مفتعلة ومخجلة وتسيء لطرفيها، ويجب تطويقها بأسرع وقت ممكن، والنزول عن شجرة العناد، وتقديم تنازل من هذا الطرف او ذاك، لا يعيب صاحبه، بل يرفع من قدره، لانه تنازل لشقيق محب، ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود.