عندما تسير كل المعطيات على الارض بأن “عاصفة الحزم” في طريقها الى الهدوء، بعد الاعلان عن “هدنة” لمدة خمسة ايام، تبدأ يوم الثلاثاء المقبل، وجرى التوصل اليها بعد محادثات بين جون كيري وزير الخارجية الامريكي مع نظيره السعودي عادل الجبير، فان “عاصفة اخرى” تستجمع قواها من اجل ضرب منطقة اخرى، وتضم التحالف نفسه في العاصمة الاولى، والمقصود هنا سورية.

تركيا لم تشترك رسميا في العاصفة الاولى في اليمن، ولكنها ستكون صلب العاصفة القديمة المتجددة في سورية، حيث وضع التحالف الثلاثي التركي السعودية القطري خلافاته جانبا، وقرر ضرب ايران في خاصرتها الاقوى والاهم، اي بلاد الشام، بدعم وتنسيق من الولايات المتحدة الامريكية.

التحالف الثلاثي الذي لعبت دولة قطر دورا كبيرا في تكوينه، من خلال علاقتها الوثيقة مع تركيا اردوغان، ورغبتها في اجهاض التحالف المصري السعودي السابق القائم على محاربة حركة “الاخوان المسلمين”، هذا التحالف الثلاثي، بدأ يعطي بعض ثماره الاولوية من حيث تكوين معارضة مسلحة جديدة وموحدة، تحت مظلة “جيش الفتح” الذي يضم مجموعة من الفصائل المسلحة المعارضة بزعامة جبهة “النصرة”، ونجحت هذه الخطة في الاستيلاء على مدن مثل ادلب، وجسر الشغور، وقاعدة قرميد في الشمال الغربي، وبصرى الشام، ومعبر نصيب على الحدود الاردنية، بعد ابعاد قوات “الدولة الاسلامية” منه، والمنطقة بأسرها بالقوة.

***
الرئيس السوري بشار الاسد اعترف بخسائر جيشه في جبهات القتال وسقوط هذه المدن في ايدي المعارضة، لم ينكر، وهذا يحسب له، ان ما حصل يشكل نكسة كبيرة للجيش العربي السوري ادى الى انهيار في معنويات بعض قطاعاته، ولكنه قال ان خسارة معركة او عشرة لا يعني خسارة الحرب.

وهذا امر صحيح، مع فارق اساسي، وهو ان التحالف الجديد الذي تشكل منذ وصول الملك سلمان بن عبد العزيز الى الحكم في الرياض جاء اكثر قوة، ونجح في اقناع الولايات المتحدة بتغيير اولوياتها في سورية، من محاربة “الدولة الاسلامية” الى محاربة النظام، اي اعادة ترتيب سلم الاولويات مرة اخرى، بحيث يعود الى صيغته الاولى، وبصورة اقوى.

التحول الاستراتيجي الآخر الذي فرض نفسه بقوة على مشهد الازمة السورية هو التغيير الكبير في النظرة الى “جبهة النصرة”، ولعبت دولة قطر دورا مهما في هذا التغيير، عندما اقنعت كل من المملكة العربية السعودية وتركيا وامريكا نفسها بازالة هذه الجبهة عمليا من قائمة الارهاب، بدون اي اعلان، في محاولة التفاف ذكية تمثلت في تأسيس “جيش الفتح” ودمجها فيه، فما حصل فعلا هو تغيير المسميات وليس الجوهر، وربما جاءت هذه الخطوة “الالتفافية” اقل ضررا، واكثر سهولة في عملية التسويق للطرف الامريكي خاصة، من دفع “جبهة النصرة” الى اصدار بيان رسمي بفك ارتباطها الايديولوجي مع تنظيم “القاعدة”، لان المخرج الاخير قوبل بمعارضة شديدة من بعض المرجعيات الاسلامية السلفية الداعمة لـ”جبهة النصرة” ايديولوجيا، وفي الاردن خاصة.

العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز الذي قلب تحافات بلاده رأسا على عقب، بات يدرك جيدا ان حرب بلاده ضد حلفاء ايران في اليمن (الحوثيين وانصار عبد الله صالح) لم تسر على الشكل المأمول، وباتت ترتد سلبا على بلاده، على شكل حرب حدودية، ولذلك قرر ان يفتح معركة او حرب جديدة ضد ايران في سورية، ووجد رجب طيب اردوغان رئيس تركيا الحليف الاوثق في هذا المضمار، الذي عاني، ويعاني من مرارة شديدة بسبب تورطه في حرب شبه خاسرة كلفته الكثير الى جانب مليوني لاجيء سوري.

الامريكيون يغيرون جلودهم واولوياتهم وفق مصالحهم، والآن وبعد ان كسبوا ايران حليفا استراتيجيا، وطعنوا حلفاءهم الخليجيين في الظهر، يريدون استرضاءهم في الملف السوري على الاقل كتعويض عن خيانتها لهم، واسترضائهم بالتالي، وهذا ما تعتقد انه سيتبلور في لقاء اوباما مع العاهل السعودي يوم الاربعاء لوحده في واشنطن، قبل اللقاء الجماعي المقرر مع الزعماء الآخرين يومي 13 و 14 من الشهر الحالي في واشنطن وكامب ديفيد.

عمليات التدريب الامريكية لقوات معارضة سورية منتقاه يزيد تعدادها عن خمسة آلاف جندي من قبل خبراء امريكيين في السعودية والاردن وتركيا بدأت فعليا، ولكن تحت عنوان محاربة “الدولة الاسلامية”، ولكن الهدف الحقيقي لهذه القوات سيكون النظام السوري.

وليس من قبيل الصدفة ان يتزامن البدء في عمليات التدريب هذه مع مناورات الاسد المتأهب التي انطلقت في الاردن بمشاركة عشرة آلاف جندي من 18 دولة وقرب الحدود السورية الجنوبة، مثلما تزامنت الاثنتان، اي الاسد المتأهب وتدريب قوات “الصحوات” السورية الجديدة، مع اقدام الاردن بتسليح العشائر السورية المحاذية لحدوده.

وقد يجادل البعض بأن مناورات الاسد المتأهب تتم كل عام منذ 2011 وبمشاركة الدولة نفسها، وفي المكان نفسه، وهذا صحيح، ولكن الجديد في الدورة الخامسة منها، هو انضمام طائرات “بي 52″ الامريكية العملاقة التي شاركت في حربي افغانستان والعراق عام 2003، ودمرت المدن الافغانية والعراقية، ولا نعتقد ان هذه القاذفات جاءت من اجل تدمير البنى التحتية العسكرية لقوات “الدولة الاسلامية”، لان طائرات قاذفة من طراز “اف 15″ و”اف 16″، قادرة على اداء هذه المهمة، لتواضع هذه البنى التحتية اساسا.

***
الحرب النفسية التي تمهد للحرب الفعلية، على اوجهها هذه الايام ضد النظام السوري وحلفائه، وتستخدم فيها امبراطوريات اعلامية جبارة، وخاصة المملوكة لقطر والسعودية، وبدأت هذه الحرب تستهدف المخزون البشري والعسكري الداعم للنظام السوري في اللاذقية، والساحل الشمالي، والجيش العربي السوري نفسه، وهناك مؤشرات ان هذه الحرب بدأت تعطي اؤكلها، ابرزها خروج السيد حسن نصر الله على شاشة قناة “المنار” لنجدة حليفه السوري اعلاميا اولا، ودخوله بقوة في حرب استعادة اقليم القلمون لرفع معنويات الجيش السوري ثانيا.

المعلومات المتوفرة لدينا تفيد بأن هناك حالة من القلق المتصاعد في اوساط ابناء الطائفة العلوية في منطقة الساحل مع اقتراب “جيش الفتح” المعارض من اللاذقية، البوابة الرئيسية لتلك المنطقة، وهذا ما يفسر تركيز “الجزيرة” بالذات برامجيا على تصعيد حالة القلق هذه في اطار استراتيجية معدة بعناية فائقة.

تفاصل المشهد السوري التي عرجنا اليها في هذه العجالة، تؤكد ان ايام النظام المقبلة ربما تكون صعبة، ولكن هذا لا يعني انه سينهار قريبا، مثلما يقول اعلام التحالف الثلاثي المعادي له، فقد واجه ظروفا اكثر صعوبة في بداية الازمة ونجح في قلب المعادلة لصالحه.

الموقف الايراني الذي ساند النظام السوري طوال السنوات الاربع الماضية هو الحاكم هذه المرة، مثل كل المرات السابقة، ولم يصدر عن ايران ردا قويا حتى كتابة هذه السطور حول الشائعات التي تقول ان ايران ستتخلى عن النظام السوري في اطار صفقة الاتفاق النووي مع امريكا، ولكن موقف حزب الله الملتزم عسكريا بقوى مع حليفه السوري، ربما يكون احد الردود، وان كان ليس كافيا.

الاحتضان غير المباشر لـ”جبهة النصرة” من قل الحلف الثلاثي التركي السعودي القطري ربما يثير حفيظة “الدولة الاسلامية”، فهل نرى في المستقبل القريب تعاونا او تنسيقا غير مباشر بين “الدولة” والنظام السوري، على غرار لقاء المصالح الراهن بين الجبهة وهذا لمثلث المدعوم امريكيا؟

علمتنا التجارب ان المنطقة العربية هي اكثر المناطق تقلبا وتغيرا في العالم بأسره، بحيث يصعب التنبوء بما يحدث فيها، مثلما علمتنا ايضا ان المصالح تتغير، والاعداء يتغيرون، وكذلك الاولويات فمن كان يصدق قبل عامين ان ايران ستوقع اتفاق مع امريكا يجمد برنامجها النووي، ومن كان يتصور ان الشعارات المعادية لامريكا (الموت لامريكا، والشيطان الاكبر) ستزال من قلب العاصمة طهران، وتحل محلها لوحات فنية جميلة؟

انها منطقة “الشرق الاوسط” هكذا كانت، وهكذا ستظل، مسرحا ابديا للحروب والتحالفات المتغيرة، ومن يشك في ذلك عليه الانضمام الى اقرب جامعة تدرس تاريخها بعصوره كافة.