عندما تحيل محكمة مصرية اوراق ثلاثة شهداء ومعتقل فلسطيني في سجون الاحتلال الى المفتي العام للدولة المصرية للتصديق على احكام بالاعدام صدرت في حقهم، فان اي عملية لتنفيذ تسييس القضاء المصري وخروجه عن كل معايير النزاهة والعدالة تبدو غير منطقية، ودون اي جدوى او فائدة، ومجرد طحن للماء.

ادانة القضاء المصري واحكامه لم تعد تنطوي على اي جديد، لكن الصمت على هذه الاحكام المهينة لمصر وتاريخها الحضاري العريق هو الجريمة الاكبر، سواء من قبل النخبة السياسية والثقافية والاعلامية المصرية، او من المرجعيات الدينية في داخل مصر او خارجها، وبغض النظر عن الموقف من النظام الحاكم في مصر، تأييدا او معارضة.

كنا ندرك جيدا، ومنذ اليوم الاول لاطاحة الرئيس محمد مرسي المنتخب من قبل الشعب المصري في انتخابات حرة نزيهة، ومن ثم اعتقاله، انه سيواجه الاعدام، لان النظام العسكري الحاكم لا يريد لهذه السابقة الانتخابية، التي تعتبر الاولى في تاريخ البلاد، ان تترسخ، ولهذا يجب الا يتم السماح لها ان تستمر، ولعمرها ان يطول.

حكم الاعدام الذي اصدرته محكمة مصرية بالامس، لم يكن في حق الرئيس مرسي، ولا رفاقه المئة الآخرين، وانما في حق مؤسسة القضاء المصري، والديمقراطية المصرية، والثورة المصرية السلمية ناصعة البياض التي اتت لتكون نموذجا تحتذى به.
ولان مصر هي القاطرة، وهي مصدر الاشعاع والتأثير الاقوى والاعمق، ليس في جوارها العربي فقط، وانما في العالم الاسلامي بأسره، فان ثورتها الشعبية الصادقة المنحازة للفقراء والمحرومين والمهمشين، يجب ان تتعرض للاجتثاث ومن داخل مصر، وعبر مؤسستها العسكرية، بمساعدة وتحريض من مؤسسات النظام السابق الفاسدة، وهكذا كان.

الشعب المصري الذي تعرض لفواجع عديدة ومتلاحقة في السنوات الاربع الماضية من عمر ثورته الموؤدة، يجب ان يتقدم بالشكر والعرفان لوزير عدله المقال محفوظ صابر الذي لخص هوية النظام الحالي بقوله ان القضاء المصري لا يمكن ان يقبل بابناء الزبالين.
فعندما تهبط النخبة الحاكمة في مصر الى هذا المستوى المتدني، وتمارس التفرقة والتمييز والاستعلاء والاقصاء والعنصرية والطبقية في ابشع صورها، فمن الطبيعي ان تأتي النتيجة على هذه الصورة المعيبة، ليس في احكام المؤسسة القضائية الفاسدة المسيسة، وانما في معظم المؤسسات الاخرى ان لم يكن كلها.

ابناء “الزبالين” وكل الفئات المصرية المسحوقة المهمشة الاخرى يجب ان يلتقطوا رسالة الاقصاء والاستعلاء هذه المعيبة، وبسرعة، ويبدأوا عملية تصحيح سريعة تعيد لهم كرامتهم وعزتهم، ولمصر انسانيتها وعدالتها.

نحن في هذه الصحيفة “راي اليوم” التي انتصرت دائما وستظل، للمظلومين والمحرومين والكادحين، ووقفت في خندقهم، وتحملت وتتحمل بسبب ذلك الكثير، ترى في احكام الاعدام هذه وصمة عار في تاريخ مصر وشعبها وحضارتها التي تمتد لاكثر من سبعة آلاف عام.