التفجيرات، سواء كانت بالسيارات المفخخة او غيرها، لم تعد بالاخبار المثيرة في مصر، فالبلاد تخوض حربا فعلية ضد الارهاب، حسب توصيف وسائل الاعلام المصرية القريبة من السلطة، ومعظمها ان لم يكن كلها، كذلك هذه الايام، لكن ان يستهدف تفجير لسيارة مفخخة تحمل 250 كيلوغرام من المتفجرات القنصلية الايطالية في قلب القاهرة فجر اليوم السبت (السادسة والنصف صباحا) فان الرسالة هنا واضحة، تقول مفرداتها ان السفارات الاجنبية لن تعد آمنة، وان عليها الرحيل.***
انقسمت الآراء في وسائل التواصل الاجتماعي، وهي الوحيدة شبه الموثوقة هذه الايام في ظل “اللون الواحد” على معظم وسائل الاعلام المصرية التقليدية، انقسمت بين تيارين:

الاول: يؤكد ان التفجير من فعل اجهزة المخابرات المصرية والهدف منه التمهيد لاعلان قوانين الطوارىء، او تنفيذ قوانين مكافحة الارهاب التي صدرت قبل بضعة ايام، ولا تقل في قسوتها وتشددها عن الاحكام العرفية نفسها، بل لا تختلف عنها الا بالتسمية فقط، فكان لافتا انه وقع في الساعات الاولى من الصباح لتجنب وقوع ضحايا من المدنيين او حتى الدبلوماسيين، على عكس معظم التفجيرات السابقة، وآخرها الذي استهدف النائب العام هشام بركات.

الثاني: ان يكون الانفجار بالفعل من تنفيذ جماعة ارهابية تريد التأكيد على انعدام الامن في مصر، ووصول التفجيرات الى السفارات والمؤسسات الاجنبية التي من المفترض انها تخضع لحماية امنية خاصة من قبل الدولة، وكان لافتا ايضا انه لم تعلن اي جماعة او منظمة مسؤوليتها عن هذا التفجير، مثل منظمة انصار بيت المقدس التابعة لـ”الدولة الاسلامية”، مثلما كان عليه الحال في تفجيرات مماثلة، حتى كتابة هذه السطور.

وبغض النظر عن الجهة التي تقف خلف هذا التفجير فان اصواتا في مصر مقربة جدا من النظام بدأت تطالب باعلان حالة الطوارىء وتطبيق الاحكام العرفية، “لتمكين السلطات المصرية من الامساك بزمام المبادرة”، وابرزها الكاتب مصطفى بكري، رئيس تحرير صحيفة “الاسبوع″، الذي اتهم الحكومة بالرضوخ لعملية ابتزاز بترددها في تطبيق قوانين مكافحة الارهاب التي اصدرتها في صيغتها الاولى قبل اربعة ايام، واثارت اعتراضات واسعة، خاصة من قبل نقابة الصحافيين، ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الانسان.

قوانين الاحكام العرفية مطبقة فعليا في مصر، جزئيا او كليا، واي اعلان رسمي لصدورها هو اعتراف بأمر واقع، مع فارق بسيط، وهو الغاء المحاكم المدنية، واستبدالها بالعسكرية، وصدور اكثر من الف حكم بالاعدام في حق اعضاء من القيادتين الاولى والثانية في حركة الاخوان المسلمين، يقبعون حاليا خلف القضبات على رأسهم الرئيس محمد مرسي والسيد محمد بديع المرشد العام للحركة.

لم يكن من قبيل الصدفة ان يكون السيد بكري الاعلى صوتا للمطالبة باعلان حالة الطوارىء في محاكاة ما حدث في تونس، التي فعلت الشيء نفسه بعد جريمة الهجوم التي استهدفت منتجع سياحي في مدينة سوسة، واسفرت عن مقتل 37 سائحا معظمهم من البريطانيين، فالسيد بكري من اكثر الاصوات المؤيدة للرئيس عبد الفتاح السيسي، وسياسة القبضة الحديدية التي يطبقها لمواجهة اعمال العنف والارهاب في سيناء والعمق المصري، مثلما يؤيد احكام الاعدام الصادرة في حق قادة الاخوان، ويطالب بسرعة تنفيذها.
***
الرئيس السيسي بارتدائه للبزة العسكرية مجددا، اثناء تفقده للقوات المصرية في سيناء بعد المجزرة التي ادت الى مقتل 70 جنديا في هجمات لمقاتلي تنظيم “الدولة الاسلامية”، انتقل من الحكم المدني الى الحكم العسكري، واعلن رسميا حالة الطوارىء في البلاد.

مصر تقف على حافة “حمام دماء” ان لم تكن في قلبه، ولن نستغرب ان نرى اول ارهاصاته تنفيذ احكام الاعدام في “الوجبة” الاولى من قيادات الاخوان في غضون ايام، وربما بعد عيد الفطر، وان كنا نعتقد ان التوقيت يحمل اهمية ضئيلة في هذه الحالة، الم تعدم السلطات العراقية الطائفية الرئيس العراقي صدام حسين صبيحة عيد الاضحى قبل بضعة اعوام؟

العراق لم ير الاستقرار منذ تنفيذ عملية الاعدام تلك التي صدمت العالم بأسره، ولا نعتقد ان اعدام الرئيس مرسي ورفاقه قبل العيد او بعده، ستحمل نتائج مختلفة لمصر على الصعد كافة، ولذلك نتمنى ان لا تقع السلطات المصرية في الحفرة نفسها، وتستمع لاصوات التحريض، وما اكثرها هذه الايام، داخل مصر خاصة، مصر تحتاج الى العقل والتعقل، مثلما تحتاج الى الحلول السياسية وليس الامنية، لان الدم لا يقود الا الى المزيد من سفك الدم، وهذا ما اثبتته معظم التجارب السابقة في هذا المضمار.