سيناريو الهجوم بالاحزمة الناسفة والمتفجرات على المساجد التي يؤمها ابناء الطائفة الشيعية في شرق المملكة العربية السعودية بدأ ينتقل الى الكويت، وربما الى دول خليجية اخرى في المستقبل القريب، والامر الذي يهدد بزعزعة امن واستقرار هذه الدول، التي اعتقد معظم حكامها انها في مأمن، او محصنة، من مثل هذه الهجمات الارهابية.

التفجير الذي استهدف مسجد الامام الصادق في مدينة الكويت اثناء اداء صلاة الجمعة هو الحلقة الاحدث لهذا السيناريو، وربما يؤشر الى تفجيرات اخرى مماثلة بسبب حال الاحتقان الطائفي المتفاقمة بين ابناء الطائفتين السنية والشيعية في هذا البلد المكلوم.

لم يكن غريبا ان تعلن “الدولة الاسلامية” في بيان رسمي وقوفها خلف هذا التفجير الانتحاري، او “الانغماسي”، حسب ادبياتها، فـ”الدولة” هي التي وقفت خلف التفجيرات المماثلة ااتي استهدفت مساجد وحسينيات في منطقة القطيف ذات الاغلبية الشيعية شرق المملكة العربية السعودية.

ومن المفارقة ان دولة الكويت متهمة الى جانب كل من المملكة العربية السعودية وقطر بتقديم الدعم المالي لفصائل “جهادية” اسلامية متشددة تقاتل من اجل اسقاط النظام في سورية، سواء بشكل مباشر او من خلال مجموعة من رجال الاعمال او الدعاة الكويتيين، وجرى وضع العديد من هؤلاء على قائمة الارهاب، ومن بينهم وزير كان في الحكومة الكويتية اضطر للاستقالة من منصبه.

الكويت تعيش ازمة طائفية حقيقية، او صراع طائفي يبلغ ذروته بسبب اعمال التحريض التي يمارسها متطرفون في الطائفتين، عبر وسائل الاعلام المنقسمة حسب تمويلها الطائفي، او وسائط التواصل الاجتماعي، ومن الطبيعي ان تستغل الجماعات المتشددة هذا المناخ لتفجير المساجد والمؤسسات الاقتصادية والاعلامية كإجراء انتقامي.

تختلف التقديرات لاعداد ابناء الطائفة الشيعية في الكويت، فالاحصاءات شبه الرسمية تقول انهم يزيدون عن الثلاثين في المئة بقليل، لكن احصاءات غير رسمية تقول ان الرقم الحقيقي اكبر من ذلك بكثير، ويفوق الاربعين في المئة، ونسبة كبيرة من هؤلاء من اصول ايرانية، بل ان بعضهم ما زال يتحدث باللغة الفارسية في منازلهم حتى اليوم.

ويشتكي ابناء الطائفة الشيعية في اكثر من بلد خليجي بالتهميش، وعدم المساواة في الوظائف الحكومية المهمة، وخاصة في المملكة العربية السعودية، حيث يحظر عليهم الانخراط في اجهزة الامن والمخابرات والجيش، واذا جرى السماح لهم بدخول هذه المؤسسات فبنسب متدنية جدا، وفي مراتب صغرى.

ولا بد من الاعتراف بأن وضع ابناء الطائفة الشيعية في الكويت افضل حالا بالمقارنة مع اقرانهم في دول خليجية اخرى، فهم من اكثر الطبقات ثراء بسبب انشطتهم الاقتصادية التجارية النشطة (عائلة البهبهاني مثالا)، ويتمتعون بقسط كبير من حرية العبادة وبناء الحسينيات (المساجد) ويتمثلون في البرلمان الكويتي بما يقرب من العشرة نواب، ويتولون مناصب وزارية، ولكن تمثيلهم في الوزارة بوزير واحد فقط في معظم السنوات السابقة، ومن قبيل المجاملة (علي البغلي مثالا) اختفى من الوزارة الحالية.

معظم الدول الخليجية متهمة بتوفير الارضية الحاضنة للجماعات الاسلامية المتشددة، سواء عبر التمويل المباشر او غير المباشر، وتأسيس المنابر الاعلامية ذات الطابع التحريضي الطائفي، ويكفي الاشارة الى وجود اكثر من ثلاثين قناة تلفزيونية اسلامية تصدر من المملكة العربية السعودية او بتمويل منها.

تفجيرات الكويت، ومن قبلها تفجيرات القطيف والدمام في المملكة العربية السعودية قد تكون بمثابة قمة جبل الثلج، ومؤشر لما هو قادم من فتنة طائفية قد تعصف بأمن واستقرار الدولة الخليجية التي ظلت بمنأى عن ثورات الربيع العربي، وهي الدول التي حاولت تحصين نفسها من خلال تمويل ثورات في دول اخرى على امل ان لا تصل النيران الى طرف ثوبها، وكم كانت مخطئة في هذا المضمار.

التحصين من العنف والارهاب يجب ان يبدأ بالاصلاح الداخلي، والمساواة، ووقف كل اعمال التحريض الطائفي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومعظم هذه القيم غير موجودة في الكثير من الدول الخليجية والعربية ايضا، نقولها والمرارة في حلوقنا.