بعد مقتل اكثر من سبعين مهاجرا سوريا بينهم اطفال اختنقوا حتى الموت في شاحنة تبريد نمساوية، اصبحت قضية اللجوء الاكثر الحاحا واهمية في اوروبا، فقد كشفت الوجه العنصري البغيض لبعض حكوماتها واحزابها اليمينية الفاشية المتطرفة، مثلما كشفت ايضا عن الجريمة الغربية الاكبر، وهي التدخل العسكري لتخريب دول الشرق الاوسط وتمزيقها وتفتيتها.

300 الف لاجيء عبروا البحر المتوسط الى السواحل الاوروبية، وخاصة الايطالية واليونانية منذ مطلع هذا العام، غرق حوالي 15 الفا منهم، وسط تواطؤ بعض الحكومات التي رفضت انقاذهم في عرض البحر، لعدم تشجيع آخرين بالسير على الطريق نفسه.
هذه العنصرية الاوروبية انعكست في بلدين الاولى، هي دولة المجر التي اخترقت كل قوانين ومعاهدات الاتحاد الاوروبي عندما اقامت سورا شائكا على طول حدودها مع صربيا لمنع تدفق اللاجئين، والثانية هي سلوفاكيا التي كانت تنتمي الى الكتلة الاشتراكية مثل المجر قبل انضمامها الى اوروبا الحرة، فأظهرت كل انواع التمييز العنصري والطائفي والديني، عندما قالت انها لن تستقبل غير اللاجئين السوريين المسيحيين تحت ذريعة عدم وجود مساجد فيها، وصعوبة تأقلم المسلمين مع ثقافتها.

وكان مفاجئا ان هولندا التي كانت من اكثر الدول الاوروبية تسامحا مع اللاجئين، تحولت الى نمر شرس ضدهم رضوخا لاحزاب اليمين الفاشي، فقررت تشديد اجراءاتها بقطع المساعدات المتعلقة بالسكن والطعام للاجئين الذين لا يتم الاعتراف بحقهم في الاقامة واللجوء، والعمل على ترحيلهم بالقوة اذا رفضوا المغادرة تطوعا.

هؤلاء اللاجئون السوريون يختلفون عن كل نظرائهم الآخرين، لانهم لم يركبوا البحر ويواجهون حياة جديدة في القارة الاوروبية الغنية، وانما عن “مجرد حياة” آمنة لهم ولاطفالهم فقط، بعد ان حاصرهم الموت من كل جانب والتقى النظام والمعارضة المسلحة والداعمون لهم على ارضية القصف والقتل.

اوروبا ملزمة اخلاقيا وسياسيا باستقبال اللاجئين السوريين وكل العرب الآخرين دون اي عوائق لانها تتحمل الجزء الاكبر من المسؤولية عن مأساتهم، فهي التي شجعتهم على الثورة، وهي التي دربت وسلحت المعارضة، وهي التي تدخلت عسكريا في ليبيا، وترسل طائراتها بطيار او بدون طيار لتقصف وتقتل في اليمن والعراق وسورية، تحت ذرائع متعددة.

الاوروبيون استعمروا بلداننا لعقود، ولم يستأذنونا عندما ارسلوا بوارجهم الحربية وطائراتهم، وجنودهم الى اراضينا، ونهبوا ثرواتنا وقسموا بلداننا قبل مئة عام، ومن الطبيعي ان لا يستأذنهم ابناء دولنا الفارين بأرواحهم من الدمار والموت في هذه البلدان، فهذه بضاعتهم ردت اليهم، ومن يزرع الريح يحصد العاصفة.

نحن لا نعمم هنا، ونميز بين المانيا التي تستقبل 800 الف لاجيء سنويا وتكرم وفادتهم، وفرنسا التي تأوي ربع هذا الرقم تقريبا، وبين دول اخرى مثل سلوفاكيا والمجر التي لا تملك حكوماتها ذرة من الانسانية تجاه هؤلاء اللاجئين، وتنسى ان مواطنيها وحتى عشرين عاما مضت كانوا لاجئين يبحثون عن الحرية في دول اوروبا الغربية.

الاشقاء السوريون يستحقون كل عون ومساعدة من الدول الاوروبية، وان كنا نشعر بالمرارة الممزوجة بالغضب في الوقت نفسه، ونقولها للمرة الثانية في هذا المكان، ودول عربية فقيرة مثل الاردن ولبنان ومصر وتونس، وحتى ليبيا والسودان تفتح لهن ابوابها بكل ترحيب ومساندة، بالاضافة الى تركيا، بينما تغلق الدول الخليجية او معظمها، ابوابها في وجوههم، وهي التي لعبت الدور الاكبر في تدمير بلدهم، وهو دور لا يقل عن دور النظام، ان لم يفوقه بمراحل، فالنظام يدافع عن نفسه، ولكن عن ماذا تدافع بعض الدول الخليجية، عن الديمقراطية وحقوق الانسان والقضاء العادل المستقل والعدالة الاجتماعية؟

طبعا هذه الدول الثرية لن تجرؤ على مطالبة الحكومات الاوروبية بالتعاطي بايجابية مع مأساة اللاجئين السوريين، لان الجواب سيكون جاهزا، ولماذا لا تكونوا القدوة والنموذج، اليس هؤلاء عربا ومسلمين وسنّة.