صوت اليونان بـ”لا” كبيرة” على خطة الدائينين في استفتاء الاحد التي تعني المزيد من اجراءات التقشف، وخلطوا الاوراق جميعا بمثل هذا التصويت، وتركوا الاتحاد الاوروبي وقادته امام ازمة حقيقية.



الشعب اليوناني طفح كيله، والتف حول حكومته وقائده اليساري الكسيس تسيبراس، وقرر ان يتمرد على السيدة انجيلا ميركل، مستشارة المانيا، وكل البنوك المركزية، وغير المركزية الاوروبية، انتصارا لكرامته، ورفضا لكل محاولات الاذلال والتركيع.

لن نخوض في الجوانب الاقتصادية، ولن نسرد رأي الخبراء الاقتصاديين حول احتمالات المستقبل، فهذا ليس من واجبنا، كما انه ليس اختصاصنا في هذه الصحيفة “راي اليوم” فنحن ننظر الى المسألة برمتها من زاوية انسانية بالدرجة الاولى، ونؤكد تعاطفنا الكامل مع الشعب اليوناني، واحترامنا لقراره الذي جاء من خلال آليات ديمقراطية حرة ونزيهة وشفافة.

الازمة تتلخص في سوء فهم القادة الاوروبيين، وعلى رأسهم السيدة ميركل لابناء الجنوب، شعوب البحر المتوسط، ومحاولتهم فرض ارادتهم عليهم من بروكسل، وينسون ان اثينا كانت دائما عاصمة امبراطورية حضارية سادت العالم، وقادت البشرية الى نهضة علمية وادبية وفنية راسخة الجذور.

التعاطي مع اليونانيين بعجرفة وغرور، وتحويلهم الى تروس في عجلة آلة رأسمالية جبارة، واغراقهم بالديون تحت عناوين انقاذ البلاد واقتصادها، كلها عوامل ادت، مجتمعة او منفردة، الى هذه الثورة الديمقراطية التي نرى ارهاصاتها حاليا.

لا نجادل مطلقا بأن الحكومات اليونانية السابقة تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية لعجزها وفسادها، وعدم معالجة الازمة في بداياتها بالطرق العلمية الصحيحة، لكن عمليات الاذلال التي تعرضت لها اليونان من الدائينين وصندوق النقد الدولي اغلقت كل الابواب للتوصل الى مخارج مقبولة لجميع الاطراف.

الاتحاد الاوروبي الذي تسيطر عليه كل من المانيا وفرنسا يجب ان يكون عطوفا متفهما لطبيعة الشعب اليوناني المختلفة عن طبيعة اوروبيي الشمال ذوي القيم المختلفة، والدماء الاكثر برودة، وهذا ما لم يحدث مطلقا، مجرد املاءات فوقية، من السيد الى العبيد الذين غير مسموح لهم غير التنفيذ فقط.

لا نملك بلورة سحرية لقراءة المستقبل، لكن ما يمكن استنتاجه هو واحد من خيارين: بقاء اليونان في منطقة اليورو، او الخروج منها، وفي كل الاحوال ستبقى اثينا، وتبقى اليونان قائمة مثلما كان عليه حالها مئات آلاف السنين، وقبل ان يكون هناك اتحاد اوروبي، وبنك مركزي في بروكسل يتحكم بمقدرات الشعوب، وفق قواعد واجراءات ذات طابع استعبادي صرف.

شمال اوروبا الغني يجب ان يتراجع عن عجرفته وفوقيته، ويتفهم كرامة شعوب دول الجنوب، اذا كان يحرص فعلا على صلابة واستمرار اتحاده ومنطقة اليورو.

تسيبراس حصل على تفويض شعبي يوناني مفتوح للتعاطي مع الاتحاد الاوروبي وكل الدائينين من موقع قوة، ونعتقد انه حريص على البقاء في منطقة اليورو، ولكن في اطار معاملة افضل، تتسم بالكرامة والعدالة والتفهم، بعيدا عن كل املاءات الناظرة انجيلا ميركل وعصاها الغليظة.

تصويت اليونانيين بـ”لا” هو عملية “تصحيح” لوضع اعوج لا يجب ان يستمر، انها ارادة الشعوب التي يجب ان تحترم ويتم الاستماع اليها بآذان صاغية، ورغبة اكيدة في التفهم، بعيدا عن اساليب الاذلال والتجويع، واساليب الاستعمار الجديد المقنعة.