الفرق شاسع بين الانتخابات البرلمانية التي ستظهر نتائج مرحلتها الاولى اليوم، وتلك التي جرت في عام 2011، مكللة ابرز انجازات الثورة المصرية في التأسيس لديمقراطية حقيقية عنوانها انتخابات تعددية شفافة، اجمع الاعداء قبل الاصدقاء على نزاهتها وتمثيلها الاوسع للشرائح السياسية والاجتماعية في مصر.

من الطبيعي ان يكون الاقبال على صناديق الاقتراع محدودا للغاية، وبنسب مخجلة (حوالي 15 بالمئة بالمقارنة مع 62 بالمئة في الانتخابات عام 2011)، لان الشارع المصري الطيب يدرك جيدا ان البرلمان الذي ستتمخض عنه هذه الانتخابات سيكون “مروضا” يتشابه مع مثيله الذي جاء ثمرة آخر انتخابات تجرى في عهد الرئيس حسني مبارك.

سيصفق الكثيرون في وسائط الاعلام المصري للنجاح الكاسح لمؤيدي الحكومة في هذه الانتخابات كعادتهم دائما، ولكن تأثيرهم سيكون محدودا هذه المرة، فالمواطن المصري الذي شاهد مراكز الاقتراع شبه خاوية من المقترعين، لن يحتاج الى الكثير من العناء لكشف عمليات التزوير الاعلامي هذه.

في زمن سيطرة وسائط التواصل الاجتماعي، وتراجع نظيراتها التقليدية، بات من الصعب جدا خداع الرأي العام واخفاء الحقائق، ولكن السلطات المصرية التي دعت الى هذه الانتخابات، واصرت على عقدها، تعيش في زمن اهل الكهف، فيما يبدو، وهنا تكمن المأساة الحقيقة التي تعيشها مصر هذه الايام.

النظام المصري الذي يتزعمه الرئيس عبد الفتاح السيسي لا يريد معارضة، ولو في حدودها الدنيا، وحتى لو اراد، فإن الجسم الاكبر لها موجود خلف القضبان، او هاجر من مصر بحثا عن الحرية، والنجاة بروحه في الوقت نفسه، في ظل احكام الاعدام التي صدرت بالمئات في حق قادة وانصار حركة الاخوان المسلمين، والليبراليين الآخرين الذين لعبوا دورا كبيرا في تفجير الثورة المصرية التي اطاحت بنظام الرئيس مبارك.

سينعقد البرلمان الجديد حتما، وسينقل حفل الافتتاح على الهواء مباشرة بعد اكمال المرحلة الانتخابية الثانية، ولكن لن يكون برلمانا حقيقيا، بل لا يستحق ان يسمى كذلك، وجميع التشريعات التي ستصدر عنه ستكون باطلة.

مصر العظيمة تستحق اكبر من ذلك، مثلما تستحق الاحترام، والارتقاء الى مستواها وحضارتها المشرفة، ودورها التاريخي، وشعبها المعطاء، ولا نعتقد ان البرلمان الجديد يصب في هذا المضمار، بل يشكل اهانة لمصر.