نستغرب باستهجان “عاصفة الفيفا” التي ضربت العلاقات الاردنية الفلسطينية في الصميم، وخلقت شرخا يزداد اتساعا بين شعبين شقيقين، مثلما نستغرب تحويل اللواء جبريل الرجوب رئيس اتحاد كرة القدم الفلسطيني الى “كبش فداء” لنهج فاسد متخاذل يجثم على صدر الشعب الفلسطيني لاكثر من عشرين عاما منذ توقيع اتفاقات اوسلو، مع بعض الاستثناءات المحدودة جدا.

المشكلة ليست، ولا يجب ان تكون، في تصويت اللواء الرجوب لصالح سيب بلاتر رئيس الفيفا في انتخابات الجمعة، وليس لصالح المرشح العربي الاردني الامير علي بن الحسين، مثل ترويج بعض المصادر الاردنية، وانما في تراجع السلطة الفلسطينية المخجل عن الملف الاهم وهو “تجميد” عضوية اسرائيل في اللحظة الاخيرة، كعادتها دائما، الامر الذي دفع بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل الى التباهي بالانتصار، وافشال المشروع الفلسطيني، وهو الذي رفض ان يقدم تنازلا واحدا من مطالب السلطة اثناء زيارة بلاتر الى كل من تل ابيب ورام الله في محاولة من جانبه لايجاد حل وسط للازمة.

اللواء الرجوب يمثل سلطة ادمنت التراجع والركوع واهانة الشعب الفلسطيني في تواطئها مع الاحتلال الاسرائيلي من اجل مصلحتها، والقائمين عليها، في البقاء، والاستمرارية وليس من اجل مصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وهو التراجع المتوقع من قبل كل الوفود العربية والاجنبية استنادا الى سوابق عديدة، آخرها تقرير القاضي غولدستون عام 2009 في مجلس حقوق الانسان في جنيف، الذي اكد ارتكاب اسرائيل جرائم حرب ضد الانسانية اثناء عدوانها على قطاع غزة في حينها، وللذرائع نفسها، والضغوط العربية والدولية نفسها.
***
لا احد يهاب هذه السلطة، او يحسب حسابها، او يحترمها او يخشى رد فعلها، لانها سلطة مستسلمة فقدت كل اسباب القوة والكرامة، وعزة النفس، ولهذا لم يحظ مطلبها بتجميد عضوية اسرائيل في “الفيفا”، او طردها، بأي اهتمام عربي او اجنبي، ولم يؤخذ بمحمل الجد، فاذا كانت مواقف السلطة هذه دفعت العرب الى تجاهلها، والقضية الفلسطينية برمتها، واقامة علاقات مباشرة، او غير مباشرة مع اسرائيل، فلماذا نستغرب مواقف الآخرين من غير العرب والمسلمين؟

وربما يجادل البعض، مثلما جرت العادة، بأن السلطة واللواء الرجوب خرجا منتصرين من هذه المواجهة، بعد موافقة “الفيفا” على تشكيل لجنة للتحقيق في الممارسات العنصرية الاسرائيلية ضد الرياضة الفلسطينية في الاراضي المحتلة، ولكن هل سيكون تقرير هذه اللجنة اهم من تقرير القاضي غولدستون، الصادر عن لجنة ترأسها قاض يهودي للتحقيق في جرائم اسرائيل واستخدامها قنابل الفوسفور الابيض المحرمة دوليا، وبتكليف من الامم المتحدة؟ ثم ماذا سيحدث لهذه اللجنة الجديدة وتقريرها في حال صدوره وتقديمه الى اجتماع للاتحاد الدولي لكرة القدم، فهل سيؤكد عنصرية اسرائيل وجرائمها ضد الرياضة الفلسطينية، وهل سيظل بلاتر في منصبه في حينها، وحتى لو اكد هذه العنصرية، فهل سيجمد “الفيفا” عضويتها؟ ومن يضمن ان لا تقدم السلطة الفلسطينية على سحبه، مثلما فعلت مع تقرير غولدستون في اللحظة الاخيرة بناء على الضغوط العربية والدولية نفسها؟

هناك عدة نقاط يجب التوقف عندها بعد متابعة هذه “الفضيحة” بكل جوانبها الاقليمية والدولية:

اولا: المسؤولون في السلطة الفلسطينية ابتداء من الرئيس محمود عباس وانتهاء بأصغر فراش في المقاطعة، لا يعرفون شيء اسمه التمسك بالمواقف المشرفة وعدم التراجع في الحق، والمضي قدما في المطالب العادلة حتى النهاية تحت ذريعة “البراغماتية” و”الواقعية”.

هؤلاء لا يعرفون شيء اسمه “الاستقالة” احتراما للذات والموقف، ويراهنون على نسيان الشعب الفلسطيني وذاكرته القصيرة، وانعدام رد فعله، واستسلامه لعبودية الراتب، فالرئيس عباس هدد الف مرة بحل السلطة وقلب الطاولة، وانهاء التنسيق الامني، ولكنه لم ينفذ، ولن ينفذ اي من تهديداته هذه، حتى لو ابلغه عزرائيل انه سيمون غدا.

اللواء الرجوب ارتكب خطيئة كبرى مرتين، الاولى عندما تراجع عن موقفه بالمضي قدما في طلبه بتجميد عضوية اسرائيل، واوحى لنا انه رجل مختلف، ليتراجع بطريقة مخجلة، والثانية عندما صافح نظيره الاسرائيلي امام كاميرات العالم بأسره، وكأن شيئا لم يحصل، وكأن المطالب الفلسطينية تحققت كاملة.

كان على اللواء الرجوب ان يعلن استقالته امام العالم بأسره، وان ينسحب من القاعة باباء وشمم متمسكا بموقفه، ويترك مسؤولية سحب الطلب الفلسطيني للرئيس عباس ومن يختاره لهذه المهمة، فقد حقق انجازات للرياضة الفلسطينية لا يمكن نسيانها، وكان هو نفسه مشروع شهيد، وقدم 18 عاما من شبابه (دخل السجن وعمره 17 عاما) كأسير في سجون الاحتلال، ولكنه لم يفعل، ولكن للسلطة ومناصبها احكام، فيما يبدو، تتقدم على كل الاعتبارات الاخرى.

ثانيا: الشفافية “الثورية” والاخلاقية شبه معدومة في السلطة الفلسطينية، وكان الاحرى بالسيد الرجوب ان يعقد مؤتمرا صحافيا، سواء في حال سحبه الطلب او الاستمرار فيه، وان يشرح الظروف في الحالين، والحال الاخيرة، اي سحب الطلب، على وجه الخصوص، وان يصارح الشعب الفلسطيني الذي يمثله بما حدث بالضبط، والاسباب التي دفعته لاتخاذ قراره المستهجن هذا، كأن يسمي الدول التي ضغطت عليه واحدة، واحدة، دون اي تلكؤ، فالتاريخ لا يرحم.

ثالثا: نشعر بالصدمة من جراء ردود الفعل الاردنية الشعبية وشبه الرسمية، والتي وصلت في بعض الاحيان الى التهجم على الشعب الفلسطيني، والتشكيك في وطنيته، وعلاقات الاخوة التي تربطه بشقيقه الاردني، حتى ان البعض، وهم القلة، والحمد الله، نشروا “هاشتاقا” على موقع “التويتر” يتبرأ من القضية الفلسطينية وشعبها كرد فعل على خبر لم يؤكد، وهو تصويت اللواء الرجوب لصالح المرشح السويسري وليس الاردني.

ان نقرأ ان نائبة في البرلمان الاردني طالبت بسحب الجنسية الاردنية من اللواء الرجوب، وبعدم دخوله الاردن، فان هذا امر معيب وغير مقبول، فهل طالبت النائبة الاردنية بمنع دخول المسؤولين الرياضيين العرب الذين لم يصوتوا للامير علي الاردن، بل هل تجرؤ على ذلك؟

***
وقفنا في هذه الصحيفة “راي اليوم” مع طلب اللواء الرجوب، ليس فقط بتجميد عضوية اسرائيل في “الفيفا” وانما بطردها من كل المحافل الدولية، وعارضنا وسنعارض التطبيع معها باشكاله كافة، بما في ذلك الحملة المشتركة التي تقودها السلطتان الاردنية والفلسطينية بتحريض العرب والمسلمين على زيارة المسجد الاقصى، مثلما وقفنا في الخندق الذي يطالب بانتخاب الامير علي لرئاسة الفيفا، ولكننا نرفض اي محاولة لاستغلال خطأ اللواء الرجوب، لتشويه العلاقة الاردنية الفلسطينية نتيجة رد فعل انفعالي غير مدروس وغير مبرر.

المشكلة ليست في تصويت اللواء الرجوب الى هذا المرشح او ذاك، او سحب طلب يؤكد عنصرية اسرائيلية لا يحتاج الى تأكيد، طلب تأخر عشرين عاما، وانما في السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني الصابر على خطاياها، وما اكثرها، هذا الشعب الذي قدم آلاف الشهداء، وكان قدوة للعالم بأسره وشبابه في ميادين الجهاد والنضال والتضحية.

نتنياهو سيترجم احتفالاته بهذا الانتصار ببناء المزيد من المستوطنات، والمزيد من الاحتقار للسلطة الفلسطينية، وسيضاعف مضايقاته ليس للرياضيين الفلسطينيين واذلالهم امام الحواجز، وانما للشعب الفلسطيني بأسره، وسيقول للعالم بأسره، لا تصدقوا هذه السلطة، وهذا الشعب، فنحن نعرفهم جيدا، ونعرف كيف نتعامل معهم.

عنصرية حكومة المالكي هي التي شكلت الحاضنة الادفأ لصعود “الدولة الاسلامية” و”القاعدة”، و”النصرة” والتطرف باشكاله كافة، وتخاذل السلطة وتغول اسرائيل قد توفر الحاضنة نفسها، وتذكروا ما نقول جيدا.