هل نجح الرئيس الامريكي باراك اوباما في طمأنة ضيوفه الخليجيين الذين استضافهم، واكرم وفادتهم، في منتجع كامب ديفيد؟ البيان الختامي الذي صدر عن “القمة” هذه يقول للوهلة الاولى ان الاجابة “نعم كبيرة”، ولكن القراءة المتعمقة لكل التفاصيل، وما بين السطور، واخذها في اطارها الاقليمي على الارض، تقول بأن الاوضاع ما زالت على حالها، وما حدث هو مجرد “اعادة صياغة” لما هو قائم على الارض فعلا، مع بعض الروتوش والتحسينات اللفظية الطفيفة.

الامراء واولياء العهود الذين شاركوا في القمة الخليجية الامريكية (غاب عنها الملك السعودي حردا والبحريني لاسباب غامضة، وسلطان عمان والرئيس الاماراتي مرضا)، كانوا يسعون الى تعهدات دفاعية امريكية قبل توقيع الاتفاق النووي الامريكي الايراني، وقد حصلوا عليها من خلال “شراكة استراتيجية جديدة”، وصفقات من الاسلحة الحديثة المتطورة لتعزيز دفاعاتهم في مواجهة اي خطر ايراني، وتلقوا وعودا بالتجاوب السريع معها، ولكن دون تحديد واضح في هذا الصدد حول نوعية الصواريخ والطائرات المقاتلة، وما اذا كانت، اي الطائرات، من الجيل الخامس (اف 35) ام من الاجيال الثانية او الثالثة، مثلما كان عليه الحال في السابق.
الشراكة الاستراتيجية الجديدة تتمثل، مثلما جاء في البيان، في اقامة درع صاروخي امريكي مرتبط بجهاز انذار مبكر في منطقة الخليج (لم يتحدد مكان نصبه بعد)، مما يعني ان الوضعيه الدفاعية للدول الخليجية ستكون مشابهة لنظيراتها في دول اوروبا الشرقية، مثل رومانيا وبولندا، اي ربطها بالكامل بالمظلة الامريكية، مع فارق اساسي وهو ان دول اوروبا الشرقية تتمتع بعضوية حلف الناتو ما يترتب على ذلك من حماية، بينما لم يتم عرض هذه العضوية على دول الخليج.

***

ثلاث شركات امريكية ضخمة تتنافس حاليا على هذه الكعكة الصاروخية المثيرة للعاب الاثراء السريع، هي لوكهيد مارتن، وريثيون، ونورثروب، ولا نستبعد توزيع الغنائم على الشركات الثلاث، وتقاسم مسؤوليات تركيب هذه القبة الصاروخية، واجهزة الانذار المرتبطة بها، وباقي التجهيزات التقنية والعسكرية الاخرى.

اللافت ان السلطات الاسرائيلية واللوبيات اليهودية المرتبطة بها، وصاحبة النفوذ الكبير في الكونغرس والبيت الابيض، لم تحتج مطلقا على هذه الشراكة الاستراتيجية كعادتها دائما في كل مرة تتقدم فيها دولة عربية الى واشنطن لشراء اسلحة ومعدات عسكرية امريكية متطورة، وربما يعود ذلك الى “اطمئنانها” هي الاخرى بأن هذه الشراكة الاستراتيجية الخليجية الامريكية تستهدف ايران بالدرجة الاولى، ولا بد انها حصلت على ضمانات وتطمينات امريكية تبدد اي مخاوف تجاهها، وهذا ما يفسر ربما تجاهل القضية الفلسطينية، والمرور عليها مرور الكرام في البيان الختامي، بحديث عمومي عن حل الدولتين الذي بشرنا الرئيس اوباما بأنه ما زال بعديا.

البيان الختامي تحدث ايضا عن توجه لجان من الخبراء وربما سماسرة السلاح، الى المنطقة الخليجية لبحث الاحتياجات والمطالب الدفاعية، وهذا يعني عمليا تجهيز دفاتر الشيكات لتوقيع عقود اسلحة بمئات المليارات من الدولارات على مدى السنوات العشر المقبلة.

هناك اكثر من ترليوني دولار (الفا مليار دولار) ترقد حاليا في الصناديق المالية الخليجية (السعودية والامارات والكويت وقطر) وهذه المليارات ستشهد في السنوات المقبلة عمليات “اعادة تدوير”، تؤدي الى انفاق نسبة كبيرة منها لشراء الاسلحة والصواريخ وتغطية نفقات الدرع الصاروخية الامريكية جزئيا او كليا، وهذا “التدوير” ليس جديدا على اي حال، لكن خطورته تأتي هذه المرة في وقت يتواصل فيه هبوط اسعار النفط.

الادارة الامريكية كانت تتحدث عن معارضتها، بل مخاوفها، لحدوث “سباق تسلح” في منطقة الشرق الاوسط لتبرير معارضتها للبرنامج النووي الايراني، ولكن يبدو انها تقول ما لا تفعل كعادتها دائما، فقد تبين لنا، انها بهذه الشراكة الاستراتيجية مع دول الخليج اطلقت سباق التسلح هذا وبصورة اكبر قوة واتساعا، بينما كان من المفروض ان يحدث العكس تماما.

لا نجادل مطلقا في حق حكومات دول الخليج في توفير كل الوسائل اللازمة للدفاع عن بلدانها ومواطنيها في مواجهة اي خطر خارجي، بما في ذلك الخطر الايراني، ولكن الخطر الحقيقي الذي تواجهه هذه الدول هو خطر داخلي لا يمكن ان تتصدى له الدرع الصاروخية الامريكية، او الطائرات المقاتلة الحديثة، فالمظاهرات السلمية هي التي اسقطت حكم الرئيس حسني مبارك، ومن قبله التونسي زين العابدين بن علي، وبعد الاثنين الرئيس علي عبد الله صالح.

وكالات الانباء العالمية اخبرتنا اليوم ان تنظيم “الدولة الاسلامية” استولى على مدينة الرمادي عاصمة اقليم الانبار في العراق، ومعظم مدينة الفلوجة، واستحوذ على اطنان من الاسلحة والمعدات العسكرية المتقدمة، ورفع علمه فوق مجمع الدوائر الحكومية في الرمادي، وبات على بعد مرمى حجر من العاصمة العراقية بغداد، فالطائرات الامريكية التي شنت 3700 غارة على قواعد هذا التنظيم وتجمعاته لم تفلح في اضعافه او القضاء عليه طوال ما يقرب من عام من القصف، وانفاق 27 مليار دولار على تدريب وتحديث الجيش العراقي، لم تمنع توسعه جغرافيا.

***
الرئيس اوباما حصل على كل ما يريد من هذه القمة، اي بيع اسلحة امريكية وانعاش الصناعة العسكرية الكاسدة في بلاده، ودون ان يخسر ايران الحليف الاقليمي الآخر في المنطقة، بل استخدم الاخيرة فزاعة، سلميا وعسكريا، للوصول الى هذا الهدف، فهنيئا له.

صحيح ان الرئيس الامريكي قدم بعض التنازلات لضيوفه الخليجيين، والسعوديين منهم خاصة، عندما تبنى مطالبهم بعدم وجود اي دور للرئيس السوري بشار الاسد في مستقبل سورية لانه فقد شرعيته كليا، واكد على الحل السياسي في اليمن من خلال مؤتمر الحوار في الرياض يوم 17 من الشهر الجاري، ولكن الرئيس الامريكي كرر الكلام نفسه في بداية الازمة السورية قبل اربع سنوات، قبل ان يتراجع عنه، ويغير سلم اولوياته من اسقاط النظام السوري الى القضاء على تنظيم “الدولة الاسلامية”.
الرئيس اوباما وقع، او على وشك توقيع، اتفاق سلام مع ايران حول برنامجها النووي، واليوم يوقع اتفاقا استراتيجيا يحول منطقة الخليج الى ساحة حرب محتملة، ومستودع ضخم للاسلحة من كل الاصناف والانواع، ينتظر عود الثقاب لكي ينفجر دمارا.
فاذا كان هناك من يعتقد ان هذه الوضعية تبعث على الاطمئنان، فهنيئا له، اما نحن فنعتبرها مبعثا للقلق وبصورة اكبر من اي وقت مضى، واسمحوا لنا وبعد قراءة معمقة، ان نختلف معكم.