أحمد عصيد

يعيش المغرب سباقا دوليا من أجل المصداقية والشرعية، فهو يقوم بدعاية مكثفة في كل الأوساط بأنه البلد الذي تنتعش فيه حقوق الإنسان وترفل في أزهى حللها، لكنه لا يجد مانعا من الخرق اليومي لأبسط الحقوق في مختلف مناطق المغرب، بل وملاحقة الجمعيات الحقوقية واضطهاد نشطائها الميدانيين ومحاصرة برامجهم. 

ويعتبر المغرب نفسه "رائدا" في الاعتدال الديني و"الوسطية"، ولهذا وفر اعتمادات هامة لبناء مؤسسة عملاقة لتكوين الأئمة لصالح دول أخرى، لكن مساجده تزخر بخطباء أبسط ما يقال عنهم أنهم دعاة فتنة لا غبار عليهم، بل عندما طلب من المجلس العلمي الأعلى الذي يضمّ فقهاء السلطة أن يبدي رأيه في حرية المعتقد أفتى بضرورة قتل من بدل دينه (كذا !) وجعل من الدين الإسلامي دين إكراه وقهر ووصاية، ويا له من اعتدال، وعاشت الوسطية !

ويقدم المغرب نفسه على أنه بلد المصالحة الوطنية الذي قرر طيّ صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لكنه لا يتورع عن اعتقال شبان مغاربة من وسط التظاهرات ومحاكمتهم بسبب آرائهم السياسية، وفي خرق سافر لكل المساطر القانونية.

ويريد المغرب أيضا أن يقال عنه إنه يتصدّر دول شمال إفريقيا في وضعية النساء وحقوقهن، لكنه في الوقت نفسه لا يقوم بأي إجراء لمنع اغتصاب النساء و قتلهن وإيقاف العنف الهمجي الذي يستهدفهن، كما لم يفعل شيئا من أجل تفعيل الفصل 19 من الدستور، وقبل ذلك مدونة الأسرة، بل يبدو أن الوزيرة المكلفة بالأسرة تعتبر نجاحا باهرا لها أن توقف تفعيل الفصل 19 إلى حين رحيلها عن منصبها حتى لا يقال عنها إنها أذعنت للحركة النسائية المغربية.

ويحبّ المغرب أن يقال عنه إنه البلد الذي تحترم فيه اللغات والتعددية الثقافية، فهو البلد الوحيد في شمال إفريقيا الذي اعترف بلغتين في الدستور، لكنه في الوقت نفسه يقوم بالتشطيب على تعليم الأمازيغة في المدارس ويستمر في تكريس الميز اللغوي والثقافي بشكل فاضح داخل المؤسسات، ضاربا عرض الحائط بالتزاماته ومرجعياته المعلنة في هذا الباب.
ويسعى المغرب إلى نيل ثقة المستثمرين الأجانب ويضع جلب الرساميل نصب عينيه، لكنه لا يقوم بأي شيء من أجل إصلاح إدارته التي تطبعها البيروقراطية ويعشش فيها الفساد ، ولهذا لا تأتي الرساميل، لكنه لا ييأس، وهو يعتمد في ذلك على الأساليب الدعائية العتيقة التي لم تعد تتماشى مع العصر وقيمه، كما يعتمد على علاقات متخلفة مع العشائر النفطية الخليجية، التي لا تميز بين الاستثمار الاقتصادي وبين تمويل التطرف الديني وبؤر التوتر وزرع البلبلة والفتن في المجتمعات الآمنة.

ويُحبّ المغرب أن يكون وجهة سياحية دولية وأن يحقق عائدات هامة من هذا القطاع، ويعدُ زواره بأفضل الخدمات الفندقية وبأجمل المناظر الطبيعية، لكنه لا يقوم بشيء لتخفيض درجة الفقر التي تصدم السياح وتجعل صورة البلد في أعينهم قبيحة للغاية، حيث تعرضهم لكل أشكال الابتزاز والسرقة والتحرش.

المفارقة المغربية أن السلطة تعرف جيدا الصورة المثالية التي يجب أن تعمل على تسويقها عن نفسها، لكنها لا تبذل أي جهد لتحقيق تلك الصورة فعليا على أرض الواقع، بقدر ما تسعى من الناحية العملية إلى تكريس مساوئ الماضي، ومن الناحية البلاغية اللفظية إلى ترويج المثال والصور الافتراضية.

ثمة شيء ما يعرقل المغرب ويعوقه عن الإقلاع الفعلي، شيء ما أشبه بالمرض العضال أو بالخلل الشامل العام الذي يستشري في كل مفاصل الدولة، ويجعل كل الإجراءات الترقيعية بلا مردودية، وكل المساحيق التجميلية عديمة الجدوى، إنه ثقافة المخزن العتيق وتقاليده وعاداته وقيمه، ذاك الذي اعتبره المغاربة ضمن الآفات والأخطار الداهمة التي لا تردّ فحذروا من الثالوث: الماء والنار والمخزن.

أن تقوم السلطة بضرب الحصار اليومي على أكبر جمعية حقوقية بالمغرب، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فتمنع أزيد من 20 لقاء لها في بضعة شهور وفي مختلف المناطق، ومنها لقاءات تكوينية تمت برمجتها في إطار شراكة مع وزارات في الحكومة، وأن يتم الترصد لنشطاء الجمعية من أجل الإيقاع بهم ومصادرة حريتهم والمسّ بسلامتهم الجسدية، هو عمل انتقامي بئيس ومتخلف، لم يعد يعتمد الأساليب الملتوية المعهودة، بل أسقط كل أقنعته وصار يتدخل بشكل سافر ضدا على كل القوانين المعمول بها، الشيء الوحيد الذي احترمته السلطة وعملت به في افتعال هذه المحنة هو التعليمات الفوقية، التي على الدولة جميعها تجنيد طاقاتها من أجل تنفيذها بالحرف.

تريد السلطة استعادة "هيبة الدولة" بقمع الحقوقيين، الذين قاموا بواجبهم في الكشف عن أخطاء السلطة، لكن هيبة الدولة تقوم اليوم على احترام حقوق الإنسان وحماية المدافعين عنها، وهذا لا تصل إليه الدولة إلا بجهود الحقوقيين أنفسهم وتضحياتهم، فيصبح الحقوقيون جزءا من هيبة الدولة، ويصبح قمعهم مُسقطا لهذه الهيبة ومُفقدا للثقة في المؤسسات.

في خضم هذه النازلة أتحفنا وزير العدل والحريات بالعبارة التالية التي تزيد المشهد سريالية: "ليس هناك تراجع عن الحقوق والمكتسبات ولن نسمح بذلك". هدف الوزير أن يوهم الناس بأنه في حكومة تقرر وتحكم، بينما يدلّ الواقع بما لا يدع مجالا للشك بأن الأحداث تتجاوز الحكومة وتقفز عليها، فحرية التنظيم والتعبير حق مكتسب تدوس عليه السلطة أمام أنظار الوزير، دون أن تسأله إن كان يسمح بذلك أو لا.
لماذا لا يقول الوزير الحقيقة للناس فيكسب بذلك بعض الاحترام ؟ الحقيقة أنه لا يستطيع، لأن الكرسي أولى لديه من الحقيقة، والحقيقة هي أن الحكومة لا تحكم، وأن الوزير في حالة شرود، وأنه يتقاضى أجره لكي يتلقى الضربات نيابة عن الحاكمين.