سألني عدد من المواطنين الذين تعودوا على مقاطعة الانتخابات، عن السبب الذي جعلني أدعو إلى المشاركة فيها والتصويت للأكثر نزاهة ووفاء للديمقراطية وقيمها النبيلة، وفيما يلي جوابي على ذلك:

كانت مقاطعة الانتخابات تعني بالنسبة للقوى الراديكالية نزع الشرعية عن السلطة والعملية الانتخابية، التي تعتبر مجرد عملية شكلية بدون محتوى أو مرتكزات ديمقراطية، طالما أنها لا تقوم على مبادئ الترسيخ الديمقراطي الممثلة في سيادة الشعب والشفافية والتداول على السلطة وفصل السلط وحماية الحريات وسمو القانون. لكن التحولات التي عرفتها الحياة السياسية على مدى العقد ونصف الأخير، والتي شهدها كذلك الجوار الإقليمي والقاري، أدت إلى جعل عملية المقاطعة تفضي إلى نتائج هي على العكس تماما من النتائج المنتظرة، فما تفسير ذلك ؟

أولا ينبغي الاعتراف بأن مقاطعة الانتخابات لا تعني لدى الجميع موقفا سياسيا واعيا وذا قصدية واضحة، حيث يعبر عزوف أعداد كبيرة من المواطنين المغاربة عن لا مبالاة عدمية لا تنطوي على أي وعي سياسي عميق، بقدر ما تعبر عن تفويض للحاكم باعتباره الأدرى بشؤون “الرعية”، ومثال ذلك ما يعتقده الكثيرون من أنّ الملك هو الذي يقوم بكل شيء، ويرون في ذلك أمرا إيجابيا، ويعتقدون بموجبه بلا جدوى التصويت على أحزاب لا تحظى بالشرعية لديهم، ما دام الملك موجودا، وهو موقف كما هو معلوم لا يساهم في إضعاف السلطة بل على العكس من ذلك يقوي أدوارها التقليدية لأنه يقوم على ثقافة ما قبل ظهور الدولة الحديثة والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

من جانب آخر سوف يلاحظ القراء بأنّ مواقف العزوف بأنواعها المختلفة تنتهي إلى نتيجة حتمية هي إضعاف الأحزاب السياسية التي لا يمكن أن تستقيم العملية الديمقراطية بدونها، وكل إضعاف للأحزاب يقوي تمركز السلطة والنفوذ في الدولة، ويعمل بالتالي على تأخير الانتقال المطلوب نحو الديمقراطية. ففي سنة 2002، كانت نسبة المشاركة المعلنة هي 23 في المائة، وقد سمحت هذه النسبة الضعيفة للملك بإبعاد عبد الرحمان اليوسفي وتولية وزير أول تكنوقراطي هو ادريس جطو، ورغم أن الاتحاديين اعتبروا ذلك مخالفا “للمنهجية الديمقراطية” إلا أنهم ظلوا داخل الحكومة وخضعوا للأمر الواقع .

وبجانب العاملين المشار إليهما، ثمة عامل ثالث هو ظهور الفاعل الإسلامي ممثلا في حزب العدالة والتنمية، الذي ينتمي إلى التيار “الإخواني” الدولي، المعروف بمشروعه المتمثل في استعادة الدولة الدينية عبر صناديق الاقتراع، هذه الهوية الدينية لحزب المصباح تجعله لا يساهم في تقوية أسس الانتقال نحو الديمقراطية بمعناها المتعارف عليه، حيث يختزل الديمقراطية في صناديق الاقتراع لا غير، ويرفض قيمها المتمثلة في مدنية الدولة والقوانين واحترام الحريات الفردية والعامة والحق في الاختلاف والمساواة التامة بين الجنسين وبين جميع المغاربة في إطار المواطنة، وقد ظهر هذا النزوع واضحا خلال الخمس سنوات الأخيرة في القوانين التي قام الحزب بصياغتها والتي كانت عبارة عن تحايل واضح على المكتسبات الدستورية المتحققة سنة 2001.

ولأن حزب العدالة والتنمية يتوفر على آلية انتخابية قوية ذات تمويل جيد، وكتلة ناخبة وفية يستطيع الحفاظ عليها بأساليب بعضها شرعي تماما وبعضها الآخر يعتمد طرقا غير قانونية وغير شريفة مثل توزيع المال والبضائع بكثافة في الأحياء الفقيرة ومدن الصفيح خلال الأسابيع المحاذية للفترة الانتخابية، معتمدا في ذلك على الجمعيات التابعة له، ومثل الإشاعة الكاذبة والتضليل السياسي وتمييع النقاش بهدف تقمص دور المعارضة رغم تحمل المسؤولية الحكومية، فإن مقاطعة الانتخابات تصبح من أكبر عوامل نجاح الحزب الإسلامي، حيث تجعل من الكتلة الناخبة لحزب المصباح مهما صغرت كتلة هامة وذات تأثير بسبب انضباطها في ظل العزوف العام وتشتت القوى الديمقراطية، وهكذا يتم تحكيم الحزب الإسلامي في رقبة المغاربة في غياب الأغلبية الساحقة منهم (التقارير المحايدة تشير إلى أن نسبة التصويت لم تتجاوز ما بين 25 و 30 في المائة).

ورغم نجاح الحزب الإسلامي في الانتخابات إلا أنه يظلّ يشتكي من “التحكم”، وذلك لأن النسبة التي فاز بها هو نفسه لا تعطيه أي امتياز أمام الملكية والسلطة التقليدية. كما أن تربصه بالملك ومحاولته إضعاف الدور الملكي لا يحظى بمؤازرة الديمقراطيين لأنه يرمي إلى تنصيب التحكم الإسلاموي بدل التحكم الملكي، وهو ما يعتبره الكثيرون أسوأ لأنه نزوع نحو الفاشستية لا يفيد في تقوية البناء الديمقراطي.

يتضح من المعطيات السالفة الذكر بأنّ موقف مقاطعة الانتخابات إن كانت له دلالات ثورية في الماضي فإنه في السياق الراهن يعدّ نوعا من الانتحار السياسي والتزكية للوضع القائم، حيث يؤدي من جهة إلى تقوية سلطوية الدولة والحكم الفردي، كما يؤدي من جهة أخرى إلى تقوية الحزب الإسلامي “الإخواني” المهدّد للمكتسبات الديمقراطية الهشة.

لا بديل إذن عن التعبئة من أجل التكتل وإفراز جبهة سياسية لا تخضع لمنطق السلطة التقليدية ولا لابتزاز القوى المحافظة، والعمل على التمكين لها في الساحة السياسية حتى تكون قادرة على حمل مشعل الدمقرطة والتحديث.

لا شكّ أن شروط العمل السياسي النظيف لم تتحقق كلها في بلدنا، لكن بالمقابل ثمة عوامل جديدة تهدد البقية الباقية من المكتسبات القليلة التي تحققت بتضحيات جسيمة، أما التغيير الجوهري والحاسم فهو أمر يبدو بعيد المنال، ولا توجد له أية مؤشرات على الإطلاق في الساحة الوطنية مهما تفاقمت الأزمات والتوترات الداخلية، وحتى في حالة حدوثه فلن يؤدي إلا إلى أسوأ العواقب والتي أخطرها الانهيار التام للدولة، والذي سيؤدي الجميع فاتورته كما حدث ويحدث في بلدان لم تستطع استعادة بناء مؤسساتها حتى اليوم.