في سياق ردود الفعل، التي خلفتها رسالة وزير الإتصال، مصطفى الخلفي، الموجهة لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، والتي يتهمها فيها بالإساءة للمغرب عن طريق التقارير الحقوقية التي تنجزها بين الفينة الأخرى، وكذا اتهامها بتشويه صورة المغرب ومؤسسات، (في هذا السياق)، كتب المفكر المغربي، والناشط الحقوقي أحمد عصيد، مقالا على شكل رسالة يُهاجم فيها الخلفي، ويعتبر تصريحاته، "إفراطا في في نزعة العبودية الإرادية، التي ترمي إلى إرضاء الأسياد، ولو على حساب بقية كرامة".

وفي ما يلي نص المقال كاملا:

إلى وزير الاتصال:
بيتنا من زجاج هش، فلا ترموا الناس بالحجارة

يبدو أن السلطات المغربية قد قررت في مجال حقوق الإنسان، اعتماد مبدأ "أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم"، لكن الهجوم قد ينتهي إلى هزيمة مؤكدة عندما لا يكون مبنيا على أساس متين، وإن كان قد يحدث بعض الجلبة والضوضاء، التي لا تغني عن الحق في النهاية.

لا يفلح المهاجم إذا كان ظالما وعلى باطل، وإذا كان بيته الداخلي أبعد ما يكون عن الترتيب اللازم، فهو يهاجم تاركا عورته مكشوفة، وأعتقد أن هذا هو حال وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة، الذي رمى بالحجارة بيت إحدى المنظمات الحقوقية الدولية، منتصرا لواقع هو أبعد ما يكون عن المثال المطلوب .

لقد سبق لوزير الاتصال المغربي ـ الذي يوجد في وضعية مثيرة للشفقة ـ أن نعت التقارير الدولية بانعدام الموضوعية، وهي ترصد ممارسات سلطوية تعود في أساليبها إلى استيحاء مراحل سابقة طبعها عنف الدولة وغياب المحاسبة، والمضحك في أمر الوزير أنه يعلم قبل غيره أن السلوكات التي يتعامل معها بسياسة النعامة لا يعود القرار فيها إلى الحكومة التي هو عضو فيها، لكنه رغم ذلك مثل جميع الذين سبقوه إلى منصبه، تعمد الظهور بمظهر الوزير الحاكم والمسؤول، وهو يبرر قرارات تتجاوزه.

كان الأفضل للوزير لو ترك الجهات المسؤولة فعلا عن خرق حقوق الإنسان في بلادنا تقوم بمهاجمة المنتظم الحقوقي الدولي للدفاع عن نفسها، وهي الجهات التي تصدر تعليماتها الشفوية دون اعتبار للقوانين ولا للالتزامات الرسمية المعلنة، تلك التعليمات التي تبقى سارية المفعول بدون حسيب ولا رقيب إلى أن تصدر تعليمات أخرى تنسخها.

يعلم الجميع بأن أساليب خرق حقوق الإنسان قد تطورت من الطرق القديمة المباشرة والصاعقة إلى أساليب أكثر ذكاء، ولكنها لا تقل ضررا بالناس وبالوطن، دون أن يعني ذلك أننا انتقلنا من الظلم إلى العدل، ومن الاستبداد إلى الديمقراطية . ويعني هذا أن المساحيق والألوان التي نضعها على واقع مريض لا يمكن أن تخفي شحوبنا إلى ما لا نهاية.

إن المزعج في سلوك الوزير هو أن هذا الأسلوب في الدفاع بصيغة التهجم الذي يصل حدّ السماجة (وليس السذاجة)، لا يسمح للمسؤولين عن خرق حقوق الإنسان بالاعتراف بأخطائهم ومراجعة أنفسهم، فالسلطة تنتهي بأن تعتقد حقا في براءتها، وسلامة طويتها، ومكر الآخرين وخبثهم، هؤلاء الذين هم مجرد أقلية أو "شرذمة" خارج "الإجماع" على حد تعبير بعض إخوان الوزير.

وعلى ذكر "الأقلية" أتذكر أن وزير العدل بدوره لم يتورع عن ذكر الأقلية وهو يتحدث عمن انتقدوا مسودته لمشروع القانون الجنائي، معتبرا أن "الأغلبية" هي مع مقترحاته التي تعيد حقوق الإنسان في بلادنا إلى سنوات الرصاص من جديد، هكذا يتضح كيف تستعمل السلطة وزراء التيار المحافظ من أجل ترسيخ السلطوية، فلأن مشروعهم لا يخرج عن دوائر الاستبداد، فإنهم الأداة الطيعة لتحقيق أهداف السلطة معتبرين ذلك "شجاعة سياسية" نادرة يستحقون عليها الإعجاب والتصفيق.

بهذا الصدد، ومادام إخواننا المحافظون لا يقتنعون إلا عندما نورد لهم بعض الإحالات الدينية، نذكرهم بأن النبي محمد عندما كان يُهاجم ويُهان ويُساء إليه من طرف أغلبية مهتاجة، لم ينكص على عقبيه ولم يتراجع عن أفكاره ودعوته، لقد كانت الأغلبية مخطئة لأنها لم تقبل أن تستمع إلى من جاء بأمر جديد يخالف التقاليد وما دأب عليه القوم من عادات، ولعل هذا الدرس قد تنوسي من طرف أولائك الذين يعتمدون منطق الأقلية والأغلبية، من أجل قمع خصومهم وإسكات الأصوات النقدية واهبة المستقبل.

سوف لن أتحدث عما تضمنته رسالة الوزير من مغرّبات كـ"التبضع" و"الضيافة المغربية"، ولكنني أعتبرها زلات ناتجة عن الإفراط في نزعة العبودية الإرادية، التي ترمي إلى إرضاء الأسياد، ولو على حساب بقية كرامة.