"إننا لا ننشد عالما لا يقتل فيه أحد، بل عالما لا يمكن فيه تبرير القتل". ألبير كامو

ليس للمرء إلا أن يُصعق أمام مشهد يظهر فيه رئيس الحكومة ووزير العدل وهما يسخران من الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي اعتبر أن جرائم الشرف لا مبرر لها ولا ينبغي أن يكون لها مكان في القانون الجنائي المغربي، وأن المطلوب استدعاء الأمن والاحتكام إلى القضاء. سلوك رئيس الحكومة ووزير العدل يجعلنا نتساءل إن كانا ينتميان معنا إلى نفس الثقافة ونفس البلد، أم أنهما يعيشان في سياق مجتمعات أخرى بعيدة عن السياق المغربي. فجرائم الشرف ليست شيئا شائعا في بلدنا، ولا هي ضمن المطالب المرفوعة من أي كان، والاحتكام إلى القانون أمر تعود عليه المغاربة بالتدريج بعد قرن كامل من العيش في ظل الدولة الحديثة بمؤسساتها وقيمها. بينما ترتبط جرائم الشرف بواقع القبيلة وبالدول التي فشلت في الانتقال السلس نحو ترسيخ بنيات الدولة الحديثة.

ومن المثير والغريب أن يعمل وزير العدل ورئيس الحكومة على إعادة أمور ليست في جميع الأحوال إيجابية ولا مطلوبة، بل وتدخل في باب السلوكات الوحشية التي يمجّها العقل والذوق السليم، إذ من الثابت أن استدعاء الأمن والرجوع إلى القضاء والاحتكام إلى القانون هي سلوكات تقوم كلها على العقل وعلى قدر من الشعور بالانتماء إلى الدولة وإلى الحضارة، بينما الذبح أو الخنق والقتل والفتك وتقطيع الأطراف تعد من الانفعالات النابعة من الهياج الغريزي الأعمى الذي لا يبقى فيه مجال لنور العقل ولا للتفكير في العواقب. ولست أدري إن كان رئيس الحكومة ووزيره في العدل قد فكرا في عواقب فعلهما على المجتمع، في حالة ما إذا شعر بعض المغاربة بأن جرائم الشرف لا يعاقب عليها مثل الجرائم الأخرى، ونتساءل إن لم يكن ذلك هو هدف الرجلين معا، حيث يظلّ التيار الإخواني حيثما وُجد ساعيا بجهد كبير إلى تدمير الأسس الثقافية للدولة الحديثة، وإحداث الفوضى التي تسمح بعد ذلك بالعودة إلى واقع البداوة السابق، الذي يتلاءم مع النهج الفكري والعقدي لهذا التيار السياسي. فكلما انزاح الواقع نحو التقاليد القديمة المرتبطة بالقبيلة، وبالسلطة الأبوية، وباحتقار المرأة، وبثقافة الثأر والعار الحِمية، كلما بعُد عن قيم الدولة الحديثة، وهو بالذات ما يطلبه التيار المحافظ حتى يتمكن من تحقيق الوصاية على المجتمع والهيمنة على الدولة.

يفسر هذا لماذا يقوم الرجلان بما قاما به من سلوك مشين ومخجل، في الوقت الذي يعملان فيه بالمقابل ـ وبجُهد ظاهر ـ على عرقلة المطالب الديمقراطية المرفوعة في المجتمع منذ عقود، والتي ترمز إلى الرغبة في ترسيخ الاختيار الديمقراطي .

إن الدوافع الموجّهة نحو اقتراف جرائم الشرف كلها مرتبطة بترسانة التقاليد والعادات السابقة على التطورات التي عرفها واقعنا نحو بناء دولة القانون والمواطنة، وقد كان هذا النوع من الجرائم طبيعيا عندما كان الاحتكام يتم إلى التقاليد الجمعية والأعراف القبلية في واقع مغلق ومحدود، أما في ظل الدولة الحديثة المنفتحة على رصيد الإنسانية، فلا وجود لتبرير جرائم الشرف نظرا لطبيعتها الوحشية العنيفة التي تستحضر الانتقام قبل كل الاعتبارات الأخرى.

إن مسيرة الإنسان في ترقيه في مدارج الحضارة مسيرة مرادفة لنمو العقل في مقابل الغريزة، فالوازع العقلي وازع مجتمعي يحيل على التنظيم وعلى القانون، بينما الوازع الغريزي وازع فطري يحيل على القوة والعنف.

والعقل في جوهره ضد العنف، والدعوة إلى تبرير جرائم "الشرف" أو التخفيف من الحكم على مرتكبيها هو سلوك يستجيب لدواعي الغريزة المنفلتة ولا أثر فيه للعقل ولا للحس الإنساني، إنها وصمة عار في جبين الشرق المتخلف، ولذا نعلن لرئيس الحكومة ووزيره في العدل أننا لسنا شرقا، نحن في أقصى الغرب جغرافيا، ولعل هذا ـ إضافة إلى ثقافتنا العريقة وإرادتنا في المضي إلى الأمام ـ يقينا بعض الشيء من التخلف العشائري العربي .