إننا في "عصر الجاهلية" حقاً، و لا نِؤمن بالرسالة، رسالة خدمة "الأرض وطن واحد" ونحن سكانها و"كلنا أوراق شجرة واحدة".
أليس من واجبنا أن نتشارك جميعاً في حماية مناخ "وطننا الأرض" ؟ و لماذا نضع هذه المسؤولية إلا على عاتق الحكومات فقط ونستمر في التلويث منتظرين وقوع التغيير و المعجزة؟
إن هذا النوع من التلوث ناجم عن كثرة الغازات المنبعثة من المصانع بالخصوص. إذن ماذا تنتج هذه المصانع و هل نحن في احتياج ضروري لكل مُنتجاتها؟ و من يستهلك هذه المنتوجات؟ الحكومات أم نحن الأفراد و الشعوب؟
الاستهلاك والمصانع سارت مثل الآلهة في عصر الجاهلية ونحن عبدتها و نضحي بالكل لحدة الإيمان بها وكأن العالم أصبح أمة واحدة لا تِؤمن إلا بهذه الآلهة.
إذا لاحظنا جيداً ما تحتويه مطابخنا من كل الأواني والآلات ومواد التنظيف وخزن المُصبرات وتعبئة أجهزة التجميد والثلاجات...، فهل نحن بالفعل في حاجة لكل هذا؟ ونستمر في تغييرها وتبديلها بدون سبب ضروري. من المُلوث للمناخ؟ من أجبرنا على شراء وتغيير كل هذه الأشياء؟ الحكومات أم نحن الأفراد والشعوب ؟ وإذا نظرنا الى صالوناتنا وعلى ما تحتويه من أفرشة وستائر وأجهزة تلفاز وهواتف وآلات الكترونية وزرابي ومكيفات وديكورات ومصابيح...، ونغيرها ونبدلها لأجل التجميل فقط أو مُسايرةً للموضة فقط. فهل نحن بحاجة لكل هذه "الآلهة" ؟ فمن يجبرنا على الإيمان بها؟ الحكومات أم نحن الأفراد؟ هل دين العالم هو دين "الاستهلاك"؟ إننا في عصر "حرية العقيدة و الإيمان" فمن يستهلك منتوجات هذه الآلهة ومن المسؤول عن تلوث المناخ؟ أنحن "المؤمنون المستهلكون" أم المصانع و الحكومات؟
من منا يعلم بالضبط قدر تلوث المناخ حتى يتم صنع أفرشتنا وملابسنا وأجهزتنا الكهربائية والإلكترونية والميكانيكية؟
فماذا نرى يومياً، في الشوارع، في الطبيعة، في الجبال و الهضاب، في الأودية و الأنهار، في الشواطىء و البحار، في الرمال و الصحاري، وفي الهواء والسماء من تلوث؟ فمن الذي يلوث؟ نحن الأفراد أم الحكومات؟
وماذا نرى في منازلنا من ضياع في الماء والكهرباء، و كثرة النفايات كلها مواد بلاستيكية ورمي المواد الغدائية الفائضة أو التي لم تعد صالحة للاستهلاك والمواد المنظفة التي تلقى في البالوعات؟ يا ترى الى أين ستذهب كل هذه النفايات؟ الى البراري أم الى الجبال والهضاب أم الى الأنهار و الشواطىء والبحار أم الى الرمال و الصحاري أم الى الهواء و السماء؟ فمن الذي يُلوث المُناخ؟ نحن الأفراد أم الحُكومات؟
من منا يعلم بالضبط الى أين تذهب نفاياتنا و كيف يتم التخلص منها؟ و ما هي نوعية الطاقة المستعملة لهذه العملية وما مدى دورها هي الأخرى في تلوث المناخ؟ إذن أين هو هذا الوعي؟
تخيلوا معي إذا توقفنا عن هذا النوع من "الإيمان" أم الاستهلاك المفرط و الأحمق، فهل "الآلهة" أم المصانع ستستمر في نشاطها الانتاجي بالوثيرة الحالية أم ستتوقف أو على الأقل ستخفف منه. فمن الذي له سلطان على تلوث المناخ و البيئة؟ الحُكومات أم "الآلهة" أم الأفراد؟
لكن ما الذي يمنعنا أن نغير "إيماننا بهذه الآلهة" وسلوكياتنا و أنماط استهلاكنا لنساهم في تطهير مناخنا و بيئتنا؟ بطبيعة الحال فإن الكل سيزعم بأنه على كامل الوعي بأهمية البيئة و المناخ وأنه يؤمن بأن الرحمان العزيز اللطيف أمرنا بالنظافة و الرعاية بالكون.
لكن في الواقع، لا بد أن يظهر التعبير عن الوعي والإيمان بالأعمال و ليس بالأقوال و الأفكار فقط؟ ألا ترون ان الحل يكمن في التربية المدنية و الروحانية؟ و أقصد هنا تربية الكبار و الصغار والقيام على تطبيقها في ارض الواقع.
إن التربية المدنية تعلمنا احترام الآخر و التعايش معه و أول ما نتعلمه هو واجبُ احترام بيئة و مناخ الآخرين الذي يعتبر حقاً من حقوقهم. أما التربية الروحانية تنمي فينا حس الانتماء إلى المجتمع الإنساني وكذلك احترام صنع الله الذي وضعه أمانة بين أيادينا و كذلك حب المخلوقات و التسامح و الرفق بالطبيعة و الحيوان و كذلك القناعة بالقليل و الكرم الجزيل عند توفر الكثير. و التربية على القناعة، التي تعلمنا الانقطاع عن التعلق بـالماديات. و هكذا سوف نوقف آلة الاستهلاك المفرط ونترك "عصر الجاهلية"، من ثم ينخفض انتاج مُخلفات المصانع و بطبيعة الحال تلوث البيئة و المُناخ. إن التربية الروحانية تعلمنا عدم الانانية وتناشدنا حماية البيئة التي سوف نتركها لأبنائنا و أحفادنا حتى نترك الأماكن نظيفة لمن سيستعملها من بعدنا و هكذا نكون حقاً قد أوفينا بهذه الأمانة.