تعود هذه القصة إلى فترة ما بعد الإستقلال ، حيث بدأ عبد الله العروي النشر سنة 1964 تحت اسم مستعار (عبد الله الرافضي). نشر أعماله في مجموعة من المجلات: أقلام (الرباط)، مواقف (بيروت)، دراسات عربية (بيروت) قررنا أن نستعير إسم الرافضي الذي إستخدمه العروي ، نسبة إلى الرافض للأواضاع السياسة بالمغرب الجديد ما بعد الإستقلال. مغرب الطبقية و الأعيان ، مغرب تهميش الكفاءات الوطنية (عبد الله إبراهيم ، المهدي بنبركة علال الفاسي ...) و الهجوم على الأحزاب الوطنية ، حيث تم حل الحزب الشيوعي مع استهداف مناضلين و زعماء جيش التحرير . يقول العروي في مقدمة كتابه الذي يحتوي على المقالات المنشورة منذ سنة 1958. و الذي يحمل عنوان " رجل الذكرى ": " أصل هذا النص ورقات متناثرة حررتها خلال صيف 1958 و أنا قابع عند أخي في مدينة أكادير متبرما مما كان يجري في العاصمة .

لا شك في أن مقاطع كثيرة كتبت بالفرنسية قبل أن تعرب تعريبا حرفيا، فيما حرّر الباقي بلغة هجينة تمتزج فيها الفرنسية المدرسية بالعربية العتيقة المشبعة بالمفردات العامية ذات الطابع الصوفي.
ظننت طيلة شهور أني أضعت تلك الورقات ثم عثرت عليها بالمصادفة و أنا في القاهرة أثناء صيف 1960. أعدت صياغتها و كلفت أحد الأشخاص بطبعها على الآلة.
لا أظن أني وفّقت فيما قمت به من تحرير و تنقيح. لما عرض النص على مدير مجلة « دعوة الحق »، الصادرة عن وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية، اعتذر قائلا إنه لا ينشر نصا لا يفهمه.
أميل اليوم إلى تصويب رأيه ، رغم أن مؤسس مجلة أقلام رحب بالنص و نشره في العدد الأول ،
قرأت مؤخرا رجل الذكرى بعد مرور ما يقرب أربعة عقود. استثقلت الأسلوب غير المتجانس و زدت قناعة أن المرء لا يتعلم الكتابة إلا بالكتابة. لذلك قررت مراجعة النص مراجعة تامة حتى لا ينفر من مطالعته قراء اليوم. "
لقد شخص العروي بلسان إدريس الفئة المثقفة الممانعة و المثقلة بهموم الواقع ، رفض الفكر الخرافي و الاسطوري و الفوارق الطبقية و الانتهازية ، و التسابق إلى اغتنام الفرص في واقع لا يستجيب للطموحات و التطلعات المخلصة ، إنه واقع يعكس علاقة المثقف بالمجتمع الذي أنتج "أزمته" . أزمة عمرت طويلا . مع العلم أن جل المثقفين الصامتين نماذج لشخصية إدريس ( أوراق ) الشاب الحالم الطموح بمغرب جديد ، مغرب الإستقلال و الكرامة و حقوق الإنسان ، مغرب العدالة الإجتماعية . اليوم بعد 60 سنة من الإستقلال الوهمي . ماذا ربح الشعب المغربي ؟ إننا لا نملك الجواب نترككم تحكموا . لأن كل واحد منا له جوابه الخاص . نتأمل مشهدنا فنجد الجميع يتكلم عن شيء إسمه الإنتخابات. نقرأ الصحف نجد أشباه المثقفين الجامعيين يحللون استراتيجيا و يتكهنون بالحزب الذي سيكتسح الساحة الانتخابية . لا أحد ينتقد الأوضاع السياسية التي نعيشها . بصراحة إننا لا نعيش الاستبداد ، و لكن نعيش الاستبداد المستنير .كما قال كانط في مقاله ما التنوير.
يُخامِرني إحساس أن ما عاشه جِيلُ الستينات و السبعينات هو ما يعيشه جيل مُثْقَفُو اليوم. أتحدث عن مُثْقَفِي الهامش و الشعب و ليس مثقفي البلاط و التحليلات الفضفاضة ، التي تبرر الواقع . إننا في سنة 2015 لا شيء سيمنعنا أن نعيد قول عبد العروي من خلال سيرته الذهنية "أوراق " تحدث العروي عن أزمة الاستقلال الوطني المغيب و قال : "حلمنا بمغرب شاب للشبان ، مغرب عادل حازم ينظر إلى الأمام و يعمل بهمة وطموح ، فكشف لنا عن مغرب شيخ للشيوخ ، ينبذ كل يوم مقياسا جديدا من مقاييس العصر كنا طفيليين في مغرب الأجانب و ها نحن أجانب في مغرب الأشباح العائدة " ص:157. لقد رحلت فرنسا ماديا و بقيت روحيا في أرواح بعض الإقطاع – الباطرونا و شيوخ الأحزاب و صناع الأحزاب الإدارية و العائلات العميقة الوفية للمخزن. هؤلاء هم من سرق المغرب العادل ، مغرب الشباب و حلّوا مكانه مغرب الشيوخ مغرب الإقطاع و القمع و الإستبداد مغرب شبيه بواقع ألمانيا الشرقية. مغرب تتحكم فيه أيادي الأشباح . لذلك نحن مجرد اشباح في مغرب الأشباح. هم يطبلون و يهللون للتصويت و المشاركة في الإنتخابات ، و لكنهم يقمعون الأصوات التي تقول كفى من الإستبلاد و الإستيلاب كفى من سياسة الريع . لا نريد المشاركة في المهزلة و في المسرحية المتكررة منذ 60 عام نريد المشاركة في اللعبة السياسة و فق شروط الدول الديمقراطية : ملكية برلمانية ، فصل السلط ، محاربة المفسدين و ناهبي المال العام . نريد أحزاب قوية تنبع من رحم الشعب و تمثل الشعب ، لا أحزاب إدارية مخزنية فاسدة . كل هذه الشعارات و المفاهيم الوهمية و المزيفة – الحكامة الجهوية المتقدمة ...- التي يردون بها تبرير مخططاتهم الإقصائية . ستتقادم و يموت وهجها كما تقادمت مفاهيم العهد الجديد ، التنمية البشرية ، دستور 2011 ...لاشيء تغير ! و لاشيء سيتغير حتى يقول التاريخ كلمته ، إننا لا نعيش إلا المكر التاريخي بشروطه المادية ، فقد كنا نعتقد أن نابوليون بونابارت هو الذي سيكون سيد العالم . لكن تبين لنا أن للتاريخ مخططات و وعي يتجاوز وعينا.

لكن التساؤل هنا ، هو لماذا العودة إلى فترة ماضية حددها العروي من خلال انطباعات - مواقف إدريس؟
على كل حال ، فالعودة هنا إلى هذا الماضي ليست من قبيل الاستشهاد أو الاعجاب كما ألفنا في كثير من الكتابات الفكرية و النقدية التي تعبر عن نفس القلل ، و إنما هي عودة من أجل النبش في حقائق تاريخ المغرب المعاصر، و التي ما زالت أوهام وأغشية الإيديولوجيات تغلفها. و مازالت عصابات الإقطاع و التحكم تهندس سياسة المغرب الجريح . إن ما يجعلنا نفقد الأمل في مغرب متعدد يحتضن الجميع هو وجود نفس الوجود الفاسدة و الأحزاب الفاسدة المخترقة و صعود أسهم الأحزاب الإدارية التي ستحل محل فرنسا قريبا ، و سَتُكَمِل زواج الروح بالمادة . معدل الفقر في تصاعد ، الفوارق الطبقية لا حدود لها ، الأمية تزداد يوما بعد يوم بسبب السياسة التعليمية الفاشلة التي يدعمها المخزن ، من أجل خلق شعب أمي لا ينتقد و لا يميز و لا يفكر . بل يسعى إلى خلق جيل من الضباع بتعبير الأستاذ محمد كسوس.

يقول الأستاذ عبد الله العروي في سيرته الذهنية " أوراق " لا نكافح من اجل حرية الأفراد ، حرية المغاربة ، بل في سبيل حرية المغرب . نريد مغربا مستقلا ." ص 52 مفهوم الاستقلال هنا له مفهوم واسع يشمل السياسة الداخلية ، كما السياسة الخارجية ، من يتحكم في تسويق صورة المغرب خارجيا ؟ من المسؤول عن فضيحة الحكومة السويسرية التي ذهبت إلى إخطار دول العالم بإنضمام جبهة البولساريو لإتفاقيات جنيف ؟ من يتحكم في تدبير المشاريع و الأوراش الكبرى بالمغرب داخليا ؟ هل هي الأحزاب أم الدولة أم المخزن ، أم المستشارين و التكنوقراط ؟ تصوروا معي صناديق الإقتراع فارغة يوم 4 شتنبر .ما العمل ؟ أبدا لن يتحقق هذا الحلم . لأن المخزن خطط لكل الإحتمالات لذلك اسس جيشا من الأميين يدعمون الأحزب الإدارية المخزنية التي يحركها ، هذا المخزن وراء ستار كي يبهر العالم بوجهه الديمقراطي المزيف. حظنا التعيس أن نبقى في الهامش مع الأحزاب الرافضة و الحركات السياسية الممانعة. إننا أوفياء للشعب . الشعب الرافض ، الرافض للتحكم و الريع و الفساد . شعب ملّ من الإنتظار. في إنتظار عودة كُودُو بنبركة أو كُودُو بوعبيد أو" إلى الأمام "و" نخدم الشعب "، و" 23 مارس" ...إننا لن نصوت إلا لأنفسنا لن نصوت إلا للذكرى .

.