بديل ـ عماد كزوط

في هذه الشهادة، التي خص بها عبد السلام الغازي، ابن محمد بن العياشي الغازي، المجاهد الذي شارك في حرب "البيبان" المماثلة لحرب "أنوال" ، ينفي الغازي أن يكون عبد الكريم انهزم في الحرب أمام القوات الاسبانية والفرنسية، كما ظلت تشيع معظم وسائل الإعلام المعادية لخطه الكفاحي، وخلافا لما رُوٍّج له دوما من لدن النخب السياسية، التي شاركت القصر التوقيع على معاهدة اكسليبان، حول وجود عداء مستمر بين الملك محمد الخامس وعبد الكريم، فإن الغازي، المقرب جدا من أسرة عبد الكريم والمطلع على جميع وثائق الأخير، يكشف عن حقيقتين مثيرتين، واحدة حين بعث عبد الكريم  لوالده بحصان، لم يكتب له الوصول بعد أن صادرت القوات الاسبانية الهدية في الطريق، وواحدة حين شكر عبد الكريم محمد الخامس، مباشرة بعد ان وطئت قدماه القاهرة.
وفي هذه الشهادة، يفك الغازي لكم لغز عدم تحرير عبد الكريم لمليلية، بعد أن دخلها منتصرا خلال حرب أنوال، كما يطلكم عن عدد من الحقائق حول كيفية حصوله على السلاح، وعلاقته بالمخابرات الألمانية، وهل فعلا ان الأخيرة هي من أوحت له بوقف الحرب؟ وفي الشهادة أيضا حقائق لم تقرأوا أو تسمعوا بها أبدا عن الاستقلاليين والاتحاديين وجنرالات الجزائر وأشياء أخرى مثيرة وصادمة سننقلها إليكم على شكل سلسلة من الحلقات، مع فتح المجال لقراء الموقع الكرام بالتعليق على هذه الشهادات.

بعد وفاة عبد الكريم طلبت القبائل من ابنه محمد إكمال عمل أبيه في مواجهة الإسبان، فكان أول عمل قام به هو قيامه بجولة على القبائل من أجل توحيدها وبث روح الجهاد فيها، لتبدأ بذلك أطوار، حكاية جندت في سبيلها اسبانيا الملايير، لا لشيء سوى لترويج إشاعة مفادها أن : محمد ابن عبد الكريم يستعد للإنقلاب على السلطان من أجل تأسيس جمهورية الريف، حتى تقوم اسبانيا بإضعاف النظام ومعه القبائل المجاهدة بخلق الحرب و الافتتان بينهما.
ابن عبد الكريم فطن بنبوغه الفكري ودهائه السياسي لخطة اسبانيا، مما جعله يعمد إلى بعث هدية "حصان" للسلطان مولاي يوسف لتفنيد الإشاعات الكاذبة التي كانت تروجها عنه من أجل تجنيد المخزن ضد المجاهدين، فكان من الطبيعي أن تتصدى اسبانيا لهذه الهدية عن طريق عملائها حتى لا تفشل خطتها، فكانت النتيجة أن الهدية لم تصل للسلطان واستمر عداء المخزن لأمير الريف على حاله.
إلى جانب ذلك حمل عبد الكريم إلى السلطان مجموعة من التقارير والمعلومات تفيد نوايا الإسبان بهذا الخصوص، أملا بان يحظى بلقاء السلطان ليقدمها إليه، إلا أنه تفاجئ ابن عبد الكريم بقول الباشا: إن السلطان سوف لن يستقبلك إلا بعد ستة شهور على الأقل، في اللحظة التي كان يعلم فيه الباشا أن مهمة هذا الأخير مستعجلة لا تخضع إلى تأجيل.
لم تكتف اسبانيا بهذا، فذهبت عن طريق إشاعاتها إلى خلق الفتنة والاقتتال بين أبناء البلد الواحد، ومن بين أهم الخطط التي كانت تعتمدها هو جلب مجموعات كبيرة من البهائم والأبقار محملة بالأشواك والحطب، لإثارة غبار كثيف من أجل تمويه بأن هناك هجوم قبيلة على قبيلة أخرى لبث الرعب وتحريض القبائل، حتى تكون دائما على استعداد لشن الحرب على بعضهما البعض.
كل هذا كان ابن عبد الكريم على دراية تامة به، نظرا لمعرفته بخبايا الأمور حين كان مدرسا لكبار ضباط الجيش الإسباني بمليلية، ومرافقته لسياسيين وأصحاب الفكر والرأي اسبان من الطراز العالي، فكان ذلك سر الانتصارات التاريخية التي سجلها ابن عبد الكريم على القوات الإسبانيا سنسردها لكم في الحلقات القادمة..

يتبع