على خلفية قضية " عمر بنحماد بنحماد  وفاطمة النجار" توصل موقع "بديل" بمقال مثير للمعتقل السياسي السابق عبد الرحمان النوضة، والذي قضى 18 سنة في سجون الحسن الثاني بعد الحكم عليه بالمؤبد، عقِب اتهامه بـ"المس بأمن النظام الملكي".

وقبل نشر المقال كاملا يشير الموقع أيضا إلى أن عبد الرحمان النوضة نشر عشرات المقالات والكتب السياسية. باللغتين العربية والفرنسية، أبرزها الكتب الثلاثة التالية باللغة الفرنسية : (Le Sociétal, Le Politique, L Ethique politique). وله كتب أخرى بالعربية، ومنها : كراس "كيف نتجاوز القمع"، وكتاب "طبقات المجتمع"، وكتاب "نقد مشروع الربط القار بين المغرب وإسبانيا (دراسة جيو - استراتيجية)"، وكتاب "كيف؟ (في فنون النضال السياسي الثوري)"، وكتاب "كيف نسقط الاستبداد (في فنون النضال الجماهيري السلمي المشترك)"، وكتاب "نقد الشعب والأصولية واليسار والدولة" (حوار حول معيقات تقويم المجتمع)". ويمكن تنزيل هذه الكتب والوثائق، بالمجان.

وهذا نص المقال كاملا: 

  "عن فضيحة 'الإيلاج في لاَبْلاَجْ''


شكرا لك أيها الكاتب البارع عبد الرحيم التوراني على هذا البيان العمومي الذي يحمل عنوان: ''تحذيرات إلى رومانسييي الحركات الإسلامية''، الذي نشرته على صفحتك في ''الفايسبوك''. فقد أضحكتني هذه السّخرية المقلوبة، ثم أضحكتني، وأضحكتني، حتى بلّلت دموعي ملامس الحاسوب.
وشكرا لك أيضا على مجهود التوضيح الذي أفدتَ به حركتنا الإسلامية الأصولية الجليلة. فنحن خير أمّة أخرجت للناس، تعمل بمبدأ : «الضرورات تبيح المحظورات». وإن كنّا كمسلمين نقول ما لا نفعل، فإن الله غفور رحيم. وكلما حصل بعض أعضائنا، أو أنصارنا، في فضيحة معيّنة، مثل أخينا الحبيب الشّوباني وأختنا سمية بنخلدون، أو شيخينا الموقّرين مولاي عمر بن احماد والموقّرة فاطمة النجار، نقول: «عفى الله عمّا سلف». وحتى إن كانت أمتنا الإسلامية هي الأكثر استلابا، وجهلا، وانحطاطا، وفقرا في مجال الجنس، وفي كل المجالات بلا استثناء، فذلك كله ليس بمشكل، ما دام أن النتائج السلبية المحتملة لا تطال سوى العقول التي نعمل بها يوميا، وما دام أن الغرور هو أهم وأعظم من العقل. وعلى خلاف العلمانيين، والحداثيين، والملحدين، والكفار، المنتشرين في أوروبا وأمريكا وآسيا، فإن «العقل هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
وكما كتب شيخنا المعظّم أحمد الريسوني، الرئيس السابق لِ ''جمعية التوحيد والإصلاح''، فإن الشيخ مولاي عمر بنحماد، والشيخة لاَلّة فاطمة النجار، المتورّطين في حادثة ”الإيلاج في لاَبْلاَجْ“، هما «رجل وامرأة، كانا يدبّران بصبر وأناة أمر زواجهما... وكانت لقاءاتهما تشاورية وتحضيرية ... بهدف إجراء زواج عُرْفِي مؤقّت... وفق القانون، بعد تحقيق التفاهمات العائلية اللازمة». (اِنتهى المقتطف من مقال الشيخ المعظّم الريسوني). فيظهر الشيخ أحمد الريسوني كأنه كان حاضرا مع الشيخين المتورّطين: مولاي عمر بن احماد وفاطمة النجار. ويظهر في كلام الريسوني كأنّ الشيخين المتورّطين بن احماد والنجار كانا، منذ زمان، يستشيران الشيخ الريسوني في كلّ شادّة وفاذّة، حول علاقتهما الغرامية. وكأنّ الشيخ الريسوني كان يتتبّع علاقتهما الحميمية منذ زمان مديد. (ومعلوم أن الشيخ أحمد الريسوني لا يوجد في شاطئ ”المنصورية“، مكان واقعة ''الإيلاج في لاَبْلاجْ''، وإنما يوجد في إقامة فخمة في الخليج، يدرّس الأصول والمقاصد في الإسلام، على بعد آلاف الكيلومترات). فهل الشيخ أحمد الريسوني يدافع عن ما لا يُدرك، وهل يتخيّل ما لا يعرف، أم أنه يكذب بلا خجل ؟ لكن لا يهم أن يكون الريسوني قريبا أم بعيدا، حاضرا أم غائبا، بل المهم هو «أنصر أخاك سواءً كان ظالما أم مظلوما». لأن القانون الأهم عند المُتَأَسْلِمِين هو ”العصبية“، ولو كانت منحازة، أو عمياء.
وفيما يخص الدّفاع الذي قام به الشيخ الأستاذ أحمد الريسوني، فهو فاشل ومرفوض. حيث كتب الريسوني: أن اللقاءات بين مولاي عمر بن أحماد وفاطمة النجار كانت «بهدف إجراء زواج عُرْفِي مؤقّت». ونحن لا نعرف ما هو هذا «الزواج العُرْفِي المؤقّت» الذي يبيح علاقات جنسية خارج الزواج القانوني. وإذا كان هذا «الزواج العرفي المؤقت» حقّا صحيحًا ومقبولا، فإننا نودّ أن يستمتع به كلّ المواطنين، وخاصة منهم الشبّان، والمراهقون، والعزّاب، الذين لا يقدرون على الزّواج، ولا نقبل بأن يكون هذا «الزواج العرفي» امتيازا خاصّا فقط بِزعماء الحركات الإسلامية الأصولية. وفي «بلاغ للمكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح»، وهي ”الحركة الدّعوية“ لحزب ”العدالة والتنمية“، وبلاغها هذا مُوقّع من طرف رئيسها الشيخ عبد الرحيم شيخي، ومؤرّخ بِ 21 غشت 2016، جاء في هذا البلاغ ما يلي: «نؤكّد ونجدّد الرفض التام للحركة لما يُسمّى بالزواج العرفي، ونتمسّك بتطبيق المسطرة القانونية كاملة في أي زواج».
وسمعتُ بعض أنصار حركتنا الإسلامية يدّعون أن هذه الضجّة كلها «مخترعة»، وأن تلك الفضيحة المزعومة «لم تحدث أبدًا». وزعم البعض الآخر من أنصار حركتنا الإسلامية أن هذه «الحادثة هي مجرّد فخّ نصبه البوليس لشيخنا مولاي عمر بن احماد، ولِشيختنا فاطمة النجار، بهدف الإساءة إلى حزبنا العتيد ''العدالة والتنمية'' في الانتخابات البرلمانية القادمة، وبهدف إلهاء الناس بقضايا كاذبة». وفي الواقع، لا نحمل أية عداوة تجاه النظام السياسي القائم، نحن ندافع عنه، وهو يدافع عنّا، كما يسمح لنا بتحسين أوضاعنا، وبتوسيع تغلغلنا في دواليب الدولة وملحقاتها. وعلى كلّ حال، فليس من الجدّي أن نفسّر كل شيء بِ ”نظرية المؤامرة“. ولا يُعقل أن ندّعي أن الشرطة هي التي وضعت الشيخ مولاي عمر بن احماد والشيخة فاطمة النجار في شاطئ ''المنصورية''، داخل سيارة، على الساعة السابعة صباحا، وهما في وضع جنسي مفضوح. نحن نتفهّم هذا الاجتهاد السّابق لمحاولة الدفاع عن حزبنا ''العدالة والتنمية''، لكنها محاولة فاشلة، وغير مقنعة. والسبب الذي خلق الفضيحة، ليس هو تؤامر الشرطة، وإنما هو تورّط شيخينا في علاقة جنسية خارج الزواج القانوني.
وحتّى إذا قبلنا جدلاً أطروحة أن وزارة الداخلية، أو النظام السياسي، هو الذي دبّر «فخّا» لشيخينا المذكورين سابقًا، بهدف الإساءة إلى حزبنا العتيد ”العدالة والتنمية“ في الانتخابات البرلمانية القادمة، فإن العقل يقول لنا أن هذا «الفخّ» المزعوم لم يكن ممكنا لولا أن الشيخين كانا من قبل متورّطين في علاقة جنسية متناقضة مع القانون، ومع «الشريعة الإسلامي». فليست الشرطة هي التي وضعت مولاي عمر بن احماد وفاطمة النجار داخل سيارة، في شاطئ ''المنصورية''، على السّابعة صباحا، وليست الشرطة هي التي أزالت بعض ثيابهما، وألصقتهما في علاقة جنسية، وإنما الشّيخين المذكورين هما اللذان كانا منذ مدة في علاقة غرامية خارج الزواج، وسقطا بالصدفة، خلال لحظة حميمية محرجة، في شباك بوليس كانوا يبحثون في منطقة الشاطئ عن مجرمين آخرين. وحتى الجمعية المحترمة للدفاع عن حقوق الإنسان، ركزت في بيانها فقط على الدّفاع عن حقوق الشيخين المتورطين في صيانة خصوصية شؤونهما الحميمية، وتغاضت الجمعية عن الإشارة، ولو بكلمة قصيرة، عن تذكير حركتنا الإسلامية بأن ”حقوق الحريات الشخصية“ التي تدافع عنها الجمعية لصالح الشيخين المتورّطين، هي بالضبط الحقوق التي تريد حركتنا الإسلامية الجليلة حرمان مجمل البشر منها.
كما كان يجب على الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن تُطالب الحركات الإسلامية الأصولية بأن تَلْطِفَ شيئا ما بالمواطنين، وأن تبيح للمواطنين ما تُبيحه لزعمائها، وأن لا تحاول فرض قوانين ''شريعة إسلامية'' متشدّدة، ومتطرفة، إلى درجة أن أَحِبّائنا المُتأسْلِمِين الأصوليين يعجزون هم أنفسهم عن الالتزام بهذه ''الشريعة الإسلامية'' غير الإنسانية. حيث أن ''الشريعة الإسلامية'' تحكم، في حالة الواقعة الحالية، بِ «رجم الزاني والزّانية» ... حتّى الموت. وهذا ما لا يقبله أي عقل سليم.
ونذكّر هنا شيخنا الأعظم أحمد الريسوني، أن شيخنا مصطفى الرّميد المعظّم، وزير العدل و''الحرّيات''، جاءنا بمشروع قانون جنائي جديد، متلائم مع ''الشريعة اللإسلامية''. وتقول المادة 490 من هذا القانون: «كل اتصال جنسي غير شرعي، بين رجل وامرأة، لا تربط بينهما علاقة زوجية، تُكَوِّن جريمة الفساد، ويُعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى ثلاثة أشهر، وغرامة من 000 2 إلى 000 20 در هم، أو إحدى هاتين العقوبتين». فنسأل شيوخنا الأعزاء، عبد الإله بنكيران، ومصطفى الرّميد، وأحمد الريسوني: «قولوا لنا بصراحة: ماذا تفضّلون؟ هل تفضلون تطبيق المادة 490 ، أم تطبيق ''الشريعة اللإسلامية'' التي توصي بالرّجم حتى الموت، ضدّ شيخينا المتورّطين مولاي عمر بنحماد وفاطمة النجار» ؟ لكن إن كنتم تفضلون التسامح، والتفهّم، واللّطف، فإننا نتفق معكم، ونساندكم، لكننا نطلب منكم، على الأقل، تعميم هذا التسامح على كل المواطنين، وأن لا تعملوا بقانون ”الكيل بمكيالين“.
لأن خصومنا المارقين، من تقدّميين، وحداثيين، وعلمانيين، وملحدين، وكفار، كلّهم يظهرون منطقيين أكثر منّا نحن الإسلاميين الأصوليين، سواء في الأقوال أم الأفعال. وكمثال، فقد سبق لواحد منهم مثل الزنديق عبد الرحمان النوضة أن كتب في كتابه ''أية علاقة بين الدّين والقانون؟'' ما يلي : «معظم الدول المتـقدّمة في العالم، تعتبر كلّ علاقة بين رجل وامرأة، إذا كانا رَاشِدَيْنِ، وغير مرتبطين بزواج قانوني، وإذا كانت علاقتهما سِلْمية، وبالتّراضي المُتبادل، وإذا لم تكن هذه العلاقة تشمل قاصرًا، ولا معوّقًا، وإذا لم يشتكِ منها أي طرف ثالث (مثلما يحدث في حالة الخيانة الزوجية المُشتكى منها)، فإن هذه العلاقة لا تُعتبر جريمةً، ولو تخلّلتها علاقة جنسية (خارج الزواج القانوني)، ولا يحقّ للدولة أن تتدخّل فيها، ولا أن تعاقب عليها»! (انتهى المقتطف من كلام الزنديق عبد الرحمان النوضة). فإذا أراد أحبّاؤنا الإسلاميين الأصوليين مثل هذا الصّنف من التعامل، مثلما فعل أخونا الحبيب الشّوباني وأختنا سمية بنخلدون، أو مثلما فعل شيخنا مولاي عمر بن احماد وشيختنا فاطمة النجار، فيجب عليهم، في هذه الحالة، أن يدافعوا عن الديمقراطية الحقيقية بكاملها، وعن حقوق الإنسان، وعن الحريات الشخصية، وأن يلتزموا بها قولاً وفعلاً. وأن يكفّوا عن استغلال الدّين في السياسة. وأن يتخلّوا عن ''الشريعة الإسلامية'' التي هي غير إنسانية.
وعلى خلاف ظنون البعض، نحن لا نتحامل على شيوخنا الإسلاميين الأصوليين، ولا نستغلّ الفضيحة ضدّهم، وإنما نحاسبهم على مقدار مزاعمهم. فشيوخنا الفضلاء الإسلاميين الأصوليين، يتكلّمون باسم الله، وباسم الرسول، ويدّعون أنهم وحدهم يفهمون الدّين الفهم الصحيح، وأنهم وحدهم يحتكرون حقّ النيابة عن الإله، وأنهم يحتكرون تطبيق إرادة الله، ويمارسون التكفير، وأحيانا التقتيل، باسم الله، ويريدون فرض مجتمع متديّن بالقوّة، مجتمع يكون فيه الإيمان إجباريا، وتكون فيه العبادة إجبارية، ويكون في الخضوع المطلق لفقهاء الدّين إجباريا، وأن يكون هذا الخضوع على كل المستويات الدّينية والسياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية. لذا سنكون دائما صارمين في محاسبة شيوخنا الإسلاميين الأصوليين الذين يحملون هذه المزاعم. ونقول لهم: نتمنّى لكم الهداية، لأنكم كنتم، وستبقون دائما، دون مستوى مزاعمكم. وننصحكم بأن تثقّفوا أنفسكم قبل أن تزعموا إخضاع المجتمع لتصوّراتكم المتخلّفة. واستفيدوا من تجارب إخوانكم في بلدان أخرى، فكل بلد تسيطر فيه جماعات إسلامية أصولية، إلاّ وتشتعل فيه حرب أهلية شاملة ومدمرة، مثلما حدث، مرارًا وتكرارًا، في كلّ من أفغانستان، ولبنان، وسوريا، والعراق، والسودان، والصومال، واليمن، وليبيا، إلى آخره.
ونقول لأحبّائنا في الحركات الإسلامية الأصولية، نحن نعرف مستقبلكم. حيث أن تاريخ مجمل الحركات الدّينية الأصولية في العالم، سواءً كانت هذه الحركات يهودية، أم مسيحية، أم إسلامية، كلها تعلّمنا أن مآلها هو حتما ارتكاب سلسلة لا منتهية من الأخطاء، والفضائح، والحماقات، وحتّى الجرائم في حقّ الإنسانية. وهذه السلسلة من الحماقات هي التي ستقنع جماهير الشعب، على مدى 15 أو 30 سنة، بأن الحل الوحيد، هو فصل الدّين عن الدولة، وعن السياسية، وسنّ حرية العقيدة، وحرّية العبادة، وحرّية عدم العبادة.
فنتمنى لكل أحبّائنا المتأسلمين الأصوليين، في العاجل القريب، الهدايةَ الربّانية، والاعتراف بإنسانيتهم، وبضعفهم، والتمسّك بحق باقي المواطنين في الاستمتاع بحقوق الإنسان كاملة، وبالحرّيات الشخصية، وبفصل الدّين عن الدولة، وبحرية العقيدة، وبحرية العبادة، وبحرّية عدم العبادة. آمين.
مع التحية والشكر للكاتب الجليل عبد الرحيم التوراني، الذي يخفّف عنّا مِمّا نعانيه من اضطهاد، وقمع، واستلاب، بما يتحفنا به من ''سخرية مقلوبة''، ومفيدة لنا أجمعين.
عبد الرحمان النوضة، في الخميس 25 غشت 2016.