بحر الأسبوع الماضي كنت على مائدة عشاء واحدة إلى جانب وزير وشخصيات سياسية بارزة في المغرب، تحدثنا في أمور كثيرة تهم البلاد، وحين عرجنا للحديث عن أحوال الحكومة، قال الوزير، وهو يعني ابن كيران: "ما كيانش بحالو"، طلبت من الوزير توضيحا أكثر، بخصوص مميزات رئيس الحكومة فرد:" هو صبار وكيتحمل بزاف، جففنا به الأرض وصابر ما كاينش خوه، وحريص على حماية المؤسسات، منين يجي واحد آخر من بعدو عاد غادي نعرفو قيمتو".

كان بإمكاني أن أواجه الوزير بحقيقة واحدة وهي أن المديونية وصلت في عهد بنكيران إلى 81 في المائة من الناتج الوطني الخام، و بعشرات القرارات التي اتخذها بنكيران، و تهدد صورة المؤسسات واستقرارها، لكن فضلت أن أكتفي بمثال واحد فقلت له: " نحن لا نريد وزير جفاف وصبار ويتحمل الويلات، نريد رئيس حكومة قوي يدافع عن صلاحياته الدستورية، ثم عن أي حماية للمؤسسات السيد الوزير تتحدث، ورئيس الحكومة يؤشر لوزير العدل في سابقة من نوعها لمقاضاة صحافي، أليس في قراره تدمير لمؤسسة الصحافة المستقلة، هل يمكن الحديث عن استقرار ومؤسسات في غياب مؤسسة الصحافة المستقلة؟" لم يعقب الوزير بأية كلمة، في وقت تدخل فيه قيادي سياسي بارز، مزكيا كلامي على ان متابعة وزير العدل لموقع "بديل" جريمة وعار بكل المقاييس على جبين الدولة المغربية ككل.

تذكرت هذه الواقعة وأنا أتابع تصريحات الأمين العام لحزب "العدالة والتنمية" عبد الإله بنكيران، خلال مؤتمر حزبه الإسثتنائي، المنعقد يوم السبت 28 ماي الجاري، بالرباط، خاصة حين قال، وهو يخاطب الملك: "أنت تقود معارك مع جهات خارج الوطن لها إمكانيات هائلة، نحن معك وخلفك ومستعدون للتضحية في سبيل المسار الذي تسير فيه لرفع رأس بلدنا عاليا".

بنكيران يعلم علم اليقين أن الطريق إلى رئاسة الحكومة المغربية ليس هو طريق صندوق الإنتخاب بل الولاء الكلي والمطلق لأصحاب الحال، الذين يرفعون من شاؤوا ويذلون من شاؤوا في البلاد، فهم القادرون على تفقير أي غني وإغناء أي فقير في "رمشة عين"، وإذا لم يرضوا عن سياسي ليكون زعيما على حزبه فلن يكون، حتى ولو اجتمعت الإنس والجن، لهذا هو اليوم، يبعث رسائل مشفرة لهم،  والأهم أن بنكيران أدرك أن "قوس الإسلاميين" في السلطة قد أغلق، بعد تجربة مرسي والغنوشي،  لهذا تجده بين الفينة والأخرى يتحول إلى "سعاي للسلطة" كان اطرف مثال عن ذلك، حين نقل  لأنصاره بمدينة سلا، ما قاله للملك محمد السادس ذات يوم "وخا تديني الحبس أنا معاك" وكل ذلك لتعبيد الطريق له لولاية ثانية.

وحين يخاطب بنكيران الملك بتلك الطريقة، فهو من جهة، يشكر الأجهزة، المتحكمة في حياة الأحزاب والساهرة على تعيين قادتها، على عدم عرقلة تمديد ولايته، ومن جهة أخرى، يجدد ولاءه لأصحاب الحال أولياء نعمته يوم 25 نونبر من سنة 2011، ويؤكد لهم أنه حام لمصالحهم، ولن يمسهم سوء شعبي مادام هو رئيس للحكومة، كما في قوله من جهة ثالثة، تجديد الولاء لسياسته اللاشعبية والمعادية لمصالح الفقراء وصغار الموظفين والفلاحين، وتأكيد لأصحاب الحال على أنه ماض في سياسته ولن يذخر جهدا في حماية مصالح المخزن وكل الطبقات المسيطرة على ثروات البلاد مع حماية مصالح المؤسسات المالية والرأس مال الأجنبي بشكل عام.

إن آخر حزب يمكن أي يتحدث عن استقلالية قراره السياسي هو حزب "العدالة والتنمية" فحين خرج الشباب إلى شوارع المملكة يوم 20 فبراير من سنة 2011، تلقى بنكيران أمرا من جهات عليا بعدم الخروج، فلم يخرجوا، وخير دليل على ذلك المكالمة الهاتفية التي جرت بين حامي الدين وابن كيران خلال نفس اليوم من داخل مسيرة الحركة.

وعندما ارتأت الداخلية تقليص مشاركة حزب "العدالة والتنمية" في انتخابات 2003 وغيرها رضخ ابن كيران للإملاءات، دون أي مقاومة تذكر، وعندما جاءت التعليمات لتعيين مزوار مكان سعد الدين العثماني، رضخ الحزب مرة أخرى للتعليمات، وعندما جاءت التعليمات لإبعاد أفتاتي من هياكل الحزب، رضخ بنكيران مرة أخرى للتعليمات...

تجديد ولاية بنكيران ليست استجابة لإرادة حرة من أعضاء المجلس الوطني كما يحاول البعض إيهام المغاربة إنها استجابة لصفقة داخلية بين بنكيران ولوبي يبحث عن موطئ قدم في الحكومة المقبلة كما هي استجابة لتعليمات بعد أن أثبت بنكيران لأصحاب الحال أنه "جَفَّافْ" لا نظير له..