تعيش بريطانيا حاليا ظاهرة سياسية كاسحة اسمها جيرمي كوربن، النائب الذي ينافس على زعامة حزب العمال، ويتصدر استطلاعات الرأي متقدما بفراسخ على اقرب منافسيه.

كوربن ليس صديقا للعرب والمسلمين فقط، وانما لجميع القضايا العادلة في العالم بأسره، ولهذا بدأت المنظمات الصهيونية تسن سكاكينها لتشويه صورته والحيلولة دون فوزه بزعامة حزب العمال في الانتخابات التي ستجرى في مؤتمر الحزب المقبل في غضون اسبوعين.

فاجأ النائب كوربن الكثيرين، ونحن الذين نعرفه جيدا، لسنا من بينهم، عندما اعلن انه سيقدم اعتذارا باسم الحزب عن حرب العراق، كأول خطوة يتخذها في حال فوزه بالزعامة لتصحيح مسيرة حزب العمال واعادته الى يساريته، والى سدة الحكم مجددا، بعد ان تلقى هزيمة قاسية في الانتخابات الاخيرة التي جرت في آيار (مايو) الماضي، وفاز فيها حزب المحافظين المنافس بأغلبية مريحة من المقاعد في البرلمان.

وعندما نقول انه لم يفاجئنا النائب كوربن باستعداده للاعتذار عن حرب العراق، فاننا نعرف مواقفه جيدا، فكان دائما في مقدمة جميع المظاهرات المليونية التي انطلقت في شوارع لندن، ومدن بريطانية اخرى كل يوم سبت معارضة لهذه الحرب التي ادت الى استشهاد حوالي مليون عراقي، ومهدت لتقسيم المنطقة العربية على اسس طائفية، وتحويل حوالي خمس دول عربية الى دول فاشلة، وتهجير اكثر من عشرة ملايين انسان.

جيرمي كوربن الذي يتصدر توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الاسبق المعسكر المناهض له، ويخوض حملة شرسة لمنع انتخابه، كان من اشرس المدافعين عن حقوق الشعب الفلسطيني العادلة، والمتصدين لجرائم الحرب الاسرائيلية، ولم يترك مسيرة في هذا الصدد الا وشارك فيها بحماس.

اربعمائة الف عضو اضافي انضموا الى حزب العمال منذ دخول النائب كوربن حلبة المنافسة على الزعامة، اي ثلاثة اضعاف اعداد اعضاء الحزب اثناء الانتخابات البرلمانية الاخيرة، حتى ان كمبيوتر الحزب تعرض الى العطل من كثرة عدد المنضمين الى عضويته في اليوم الاخير للتسجيل.

من الطبيعي ان يعارض بلير بشدة المرشح اليساري كوربن، ليس لانه سيفضح دوره الدموي في حرب العراق، وانما لانه سيقف بقوة في خندق القضية الفلسطينية العادلة في وجه الاعتداءات الدموية الاسرائيلية.

ظاهرة اليسار الجديد التي بدأت تجتاح اوروبا كرد فعل على نمو اليمين العنصري المعادي للاجانب والمهاجرين، بدأت في اليونان على يد المناضل العمالي اليكس تسيبراس زعيم حزب سيريزا المناهض لاجراءات التقشف الاوروبية المفروضة على اليونان، وامتدت الى اسبانيا التي حقق فيها حزب “بوديوس″ اليساري تقدما كبيرا، وها هي هذه الظاهرة تصل الى بريطانيا، احد اكثر الدول الاوروبية محافظة.

جيرمي كوربن، ذلك الرجل النحيل المتقشف في مظهره وحياته، نصير الفقراء والمحرومين في بريطاينا والعالم، يحشد الملايين من البريطانيين خلفه، ويتقدم بقوة الى سدة الزعامة، لانه يتبنى مواقف سياسية قائمة على قيم العدالة والاخلاق والانسانية.
ليت الزعماء العرب الذين ايدوا الحرب الامريكية البريطانية على العراق، بل وشاركوا فيها، وفتحوا قواعدهم لانطلاق الطائرات لضرب هذا البلد العربي الاصيل الذي حماهم دائما، ليت هؤلاء يتحلون بالشجاعة نفسها، ويعتذرون لشعوبهم قبل ان يعتذروا للشعب العراقي.

شكرا لجيرمي كوربن الذي انتصر للحق والضحايا العراقيين المسلمين، وهو اليساري العلماني.. شكرا له على تمسكه بمواقفه المدافعة الشرسة عن حقوق الشعب الفلسطيني، والمتصدية لحروب اسرائيل، في وقت يتحالف معها بعض العرب ولم يدينوا، اي الزعماء، العرب، حروبها الدموية هذه في غزة ولبنان.