لا أفشي سرا إن قلت: إني في لحظة غباء اعتقدت أني بهذه المناسبة الوطنية الكبيرة، سأكون ضمن المفرج عنهم لاعتبارات عدة. لكن خيبتي كانت بحجم خيبات هذا الوطن، فوجدت قلمي يستحثني للتعليق على العفو الأخير بهذه الكلمات.

لا يهم أن تكون مجرما يهدد الأمن العام للمواطنين، لصا ينهب ممتلكاتهم، قاتلا يحصد أرواحهم، مغتصبا بيدوفليا يقتل براءة أطفالهم، مشرمِلا يعترض سبيل المارة بسيفه أو ساطوره، يزرع الرعب في قلوب فتيات المعامل ممن تبكرن من أجل لقمة عيش ممرغة في وحل الاستغلال، تاجر مخدرات يستنزف الشباب، رأسمال البلاد، ثروتها وساكنتها النشيطة.
لا يهم أن تتهمك الدولة بالإرهاب، ولا يهم إن كانت صادقة أم كاذبة، ويصورك إعلامها (الرسمي والمتواطئ) بعبعا يهدد المواطنين يترصد حركاتهم، يضع سيفه على رقابهم، ينشر الخراب والدمار أينما حل وارتحل، يحرض على القتل والتكفير، ويلعب بأفكار ضعاف العقول، ويشكل منهم خلايا وعصابات تستحل أموال الناس وأعراضهم وأرواحهم.
لا يهم أن تنال في سبيل ذلك عقدا أو عقدين أو ثلاثا من السجن، ولا يهم إن كنت فعلا تستحق ذلك أم لا؟
إن كانت قضيتك حقيقية أم مجرد مؤامرة، إن كانت محاكمة عادلة أم مسرحية، إن كنت بطلا أم كومبارس. كل ذلك لا يؤثر في استفادتك من العفو، كل ذلك لا يهم إن اهتديت لكلمة السر، عليك فقط أن تحترس من أن تنبعث منك رائحة معارضة للمخزن أو مجرد انتقاد لبعض سياساته ومقارباته، فالمخزن يقيمك ويصنفك فقط بمدى ولائك له وليس بمدى تهديدك لأمن المجتمع وطعنك في قيمه وهويته، لذلك يستفيد من العفو كل من ركع أمام محراب المخزن وعفر جبينه في تربته المقدسة، من المحكومين في قضايا الإرهاب، ويحرم من هذا العفو محكومون آخرون في نفس القضايا، بل أحيانا في نفس الملف وبنفس المدة، ممن يتشبتون بممانعتهم وانتقادهم للمخزن، بل حتى من يلتزم الحياد، أو يلوذ بالصمت فلا ينتقد ولا يؤيد. ويتعلق الأمر بنوايا إجرامية لم تنفذ، فيبدي البعض ندمه حيالها فيستفيد من العفو، ويبدي الآخر تشبته بها فيحرم، بل وجدنا جرائم وقعت ونسبتها السلطات لأشخاص، وحملتهم المسؤولية كاملة على قدم المساواة، فتم العفو عن البعض وحرمان الآخرين؛ ولا يتعلق الأمر بظهور براءته أو إعلان ندم وتوبة، بل بكلمة السر.
رأينا خروج من حملتهم الدولة وإعلامها مسؤولية الأحداث الإجرامية، وبقي تلاميذهم وأتباعهم أو بالأحرى ضحاياهم ممن لا تتجاوز تهمتهم حضور خطبة أو وليمة أو حيازة شريط أو كتاب لهم، وحتى لا أعمم، فأنا لا أتهم الجميع ولا أبرئ الجميع، ولكن قصدي هو هذا الاستغلال لآلية العفو وهذه المعايير المزدوجة، حتى أصبح العفو وسيلة للي الذراع، والإرغام والإكراه على دخول بيت طاعة المخزن واعتناق دينه، وطريقة لترويض كل من يتشبث بمواقفه المعارضة أو الممانعة أو المنتقدة أو الناصحة للمخزن، حتى وإن كان يفكر للمجتمع ويخدم قضاياه ويحفظ قيمه.
لقد أصبح العفو أداة للانتقام والمساومة والابتزاز، تتلاعب به الأجهزة التي تطبخ الملفات وتفبركها، تفرض عليك تلك الأجهزة والأيادي والأذرع المختبئة وراء الملك، الدخول في دين المخزن والانخراط في مشروعه، وذلك بعد التلفظ بكلمة السر "عاش الملك"، الكلمة التي تفتح أمامك أبواب السجن، وليس من حقك أن تتساءل عن إقحام الملك في الموضوع، لأنه ليس هو من أحضرك، ومشكلتك هي مع الفساد والاستبداد، لكن تلك الأجهزة تجعل من مقاومتك للفساد ومعارضتك للاستبداد، معارضة للملك، ثم مهدِّدا لأمن المجتمع، خطيرا على سلامة المواطنين، وتُلبسك في النهاية لباس الإرهاب لتنفرد بك مثل ذئب ينهش فريسته على مرأى الجميع، وهي تخيرك بين هذا السيناريو، أو الخضوع والقبول والانقياد والاستسلام لِعَرْضِها.
"عاش الملك" هي الكلمة المفتاح لانخراطك في حزب المرضي عنهم، هي الوصفة السحرية التي تقلب سيئاتك حسنات، وسواد صحيفتك وملفك إلى بياض كبياض الجلباب المخزني.
"عاش الملك" هي طريقك للاستفادة من العفو مهما كانت جريرتك وجريمتك، تطاردك الآلة المخزنية وتحاصرك وتسد في وجهك كل السبل والمنافذ إلا واحدا، توجهك نحوه بيافطات ولوحات تشوير وإعلانات ووصلات إشهار، كلها تقول: "انخراطك في حزب العياشة هو سبيلك للخروج من عكاشة".
القضية إذن ليست حفظ أمن المجتمع وسلامة المواطنين، لأن ما يزرعه مجرمو الحق العام من القتلة والمغتصبين وتجار المخدرات واللصوص، ممن يستفيدون أضعافا مضاعفة من حصة العفو، من رعب وخوف وترويع، دون أن يطلب منهم أحد توبة ولا ندما، لا يقارن بأي حال من الأحوال بخصوص عدد كبير من المحكومين في قضايا الإرهاب، وفيه من الضحايا والمظلومين لا شك، وقضيتي شخصيا أكبر شاهد على ما أقول، فهل يصدق عاقل أو حتى مجنون أني أشكل خطرا على المجتمع وعلى سلامة وأمن المواطنين، ليقوم المخزن بدور البطولة وذلك بحماية المجتمع مني!!
إن القضية تنطوي على استغلال للسلطة ولمؤسسات الدولة، من أجل الإكراه على مواقف معينة، وتغيير القناعات الفكرية والسياسية والعقدية قسرا وجبرا، لمواطنين مغاربة سلبهم المخزن حريتهم، ويحاول سلبهم كرامتهم وحقهم في الاختيار والاختلاف والتفكير والتعبير.
وأختم مباركا لمن أفرج عنهم ومتمنيا الفرج القريب لبقية المظلومين.
المعتقل السياسي الصحفي مصطفى الحسناوي؛ السجن المركزي بالقنيطرة.