أظهرت عمليات انتخاب أعضاء مجلس المستشارين ،التي جرت في الثاني من أكتوبر الجاري أن السلوك الانتخابي لما يسمى بـ "الناخبين الكبار" يقبع في الدرجة الصفر على سلم "مدونة السلوك الانتخابية والسياسية التي يفترض أن توجه سلوك الناخبين والمنتخبين على حد سواء في الأنظمة الديمقراطية"، حيث حولوا هذه المحطة الديمقراطية التي يفترض أن تعكس عمق الوعي والالتزام السياسي والأخلاقي لدى طبقة من المنتخبين خاصة، مفوضة بترجمة إرادة الناخبين بأمانة وصدق على مستوى تمثيلية مجلس المستشارين- حولوا هذه المحطة إلى سوق للمساومات والمزايدات والتلاعب بإرادة الناخبين، ضاربين بذلك عرض الحائط كل القيم والمبادئ الديمقراطية والدستورية والقانونية والأخلاقية، بل وبصورة بلد بأكمله ما يبرح يجاهد لتجاوز ممارسات ومسليكات انتخابية وسياسية "نمطية" صارت تعوق عملية انتقاله إلى الديمقراطية، خاصة في ظل استمرارها، وعجز الآليات القانونية في القضاء عليها،وذلك رغم التطور الذي عرفته القواعد القانونية المهيكلة للعمليات الانتخابية، وخاصة في شقها الزجري، إذ المؤكد أن ثمة إصلاحات هامة شملت البنية التشريعية المنظمة للعمليات الانتخابية بصفة عامة، وانتخابات أعضاء مجلس المستشارين بصفة خاصة، وذلك قصد ضمان نزاهة عملياتها.

بيد أن الملاحظ أيضا، أن الحكومة لا تتعاطى بالصرامة اللازمة والحياد الضروري مع المخالفين والمتلاعبين بقواعد تنظيم العمليات الانتخابية، وخاصة عمليات انتخاب
أعضاء مجلس المستشارين، التي تعرف بحكم طبيعتها وأسلوب إجرائها إختلالات تمس بصحتها ونزاهتها، بفعل إقدام بعض المنتخبين من ذوي النفوس الضعيفة الذين لا خلاق لهم على المتاجرة بإرادة الناخبين (بيعا وشراء)، بل أحيانا تبدو الحكومة متسامحة بله متواطئة إزاء ممارسات انتخابية وسياسية تقع تحت طائلة القانون، مما يشجع المفسدين على الإمعان في جرائمهم.
لا مشاحنة في القول في أن مسؤولية ضمان صحة ونزاهة العمليات الانتخابية، وخاصة عملية انتخاب أعضاء مجلس المستشارين، هي مسؤولية متشعبة ومشتركة، تتضافر فيها جهود وأدوار الأحزاب السياسية والهيئات الناخبة والمنتخبين والمجتمع المدني والحكومة والقضاء، وهي في جوهرها -أي ضمان نزاهة الإنتخابات- مسؤولية سياسية وأخلاقية أساسا، ملقاة على عاتق الأحزاب والمنتخبين، ومرهونة بأخلاقهم وضمائرهم التي يفترض أن تقودهم إلى إعلاء المصلحة العامة وتقديم واجب خدمة الوطن على المصالح الشخصية والمآرب الذاتية، لأن الترشح للانتخابات قائم على مبدأ التطوع لتمثيل المواطنين في المؤسسات السياسية، وخدمة مصالح الشعب، وليست تنافسا على وظيفة اقتصادية ومالية، وبالتالي يفترض أن تكون موجهة بالأخلاق وبالمبادئ أكثر من أي شيء أخر. لكن ما العمل إذا كانت أحزابنا ومنتخبونا لا يرقون إلى هذه الجدلية، ويتعاطون مع الإنتخابات "كجاه موصل إلى الثروة" بتعبير العلامة ابن خلدون، وليس كخدمة عامة؟!. في هذه الحالة يبرز دور الدولة في إعادة المعنى إلى مفهوم الإنتخابات بزجر المخالفين والمتلاعبين بجوهرها وماهيتها. فإلى أي مدى فعلت الحكومة -بتشديد العين- عملية الزجر ضد المخالفين والمتلاعبين بقواعد انتخاب أعضاء مجلس المستشارين؟
بالرجوع إلى بلاغ اللجنة الحكومية المكلفة بتتبع الإنتخابات، فإن عدد المتابعين المشتبه في ارتكابهم جرائم انتخابية إلى حدود 7 أكتوبر بلغ 26 متهما، منهم 14 مرشحا الإنتخابات مجلس المستشارين، بينهم 10 مرشحين فازوا بمقاعد في مجلس المستشارين. لكن السؤال الذي يطرح بصدد هذه الحصيلة من المخالفات المضبوطة هو، إلى أي مدى تعكس حجم الفساد الذي شاب عملية انتخاب أعضاء مجلس المستشارين؟، حسب تصريحات زعماء سياسيين من الأغلبية والمعارضة على حد سواء، فقد شهدت عملية انتخاب أعضاء مجلس المستشارين انتهاكات واسعة، دفعت ببعض قادة الأحزاب إلى إعلان مواقف سياسية من هذه الإنتخابات على خلفية الممارسات التي شابتها (نبيل بن عبد الله دعا إلى إعدام مجلس المستشارين..لشكر تحد ث عن عمليات بيع وشراء، ..الخ)، فاستنادا إلى هذه التصريحات يستشف أن عدد المتورطين في مخالفة قواعد انتخاب أعضاء مجلس النواب ربما يكون أوسع مما تم الكشف عنه، فهل قصرت يد الحكومة -إذن ـ عن الوصول إلى كل المخالفين، أم تركت مهمة استكمال عملية الكشف عن المخالفات إلى المرشحين والجهات الأخرى المخولة دستورا وقانونا بالطعن في نتائج انتخابات أعضاء مجلس المستشارين أمام المحكمة الدستورية؟
أغلب الظن، أنه كان بإمكان السلطة المكلفة بتتبع ورصد الإنتخابات اصطياد أكثر من هذا العدد من "لصوص الإنتخابات" -على غرار لصوص المال العام-، لكن يبدو أنها لم ترد أن تفضح المستور أكثر، وتكشف عن حجم الإختلالات الحقيقية التي تشوب عملية إنتخاب أعضاء مجلس المستشارين، الذي ظل دوما موضعا لممارسات وسلوكيات ممجوجة من طرف من يسمون بـ "الناخبين الكبار"، وذلك بشكل أصبح يسيء إلى سمعة الديمقراطية المغربية، ويسائل إرادة الدولة في ترسيخ أسس وآليات الممارسة الديمقراطية الحقة، وفي مقدمتها صيانة العمليات الإنتخابية من عبث المفسدين والإنتهازيين، الذين يتخذون من الإنتخابات مطايا لبلوغ أهداف شخصية وخدمة مآرب ذاتية، ضاربين عرض الحائط كل القيم والمبادئ النبيلة للممارسة الانتخابية كأسلوب حضاري راق للتنافس على نيل ثقة وشرف تمثيل المواطنين في المؤسسات السياسية.
وفي ظل استمرار ظاهرة الفساد الانتخابي، وضعف دور الأحزاب والمنتخبين في المساهمة في تخليق الممارسة الانتخابية، والنأي بها عن ما يخدش مصداقيتها ويمس نزاهتها، يبرز دور الدولة كسلطة عامة لإنقاذ العمليات الانتخابية ببلادنا من عبث المفسدين وتلاعب الانتهازيين، وإعادة "الروح" إلى الإنتخابات بحسبانها أس الديمقراطية وجوهرها الأساس، وهذا لا يكون طبعا إلا بتشديد الخناق على المتاجرين بإرادة الناخبين، وزجر مخالفاتهم بما يجب من الصرامة والحزم اللازمين، وعدم التساهل معهم وإنزال أشد العقاب بهم وفضح سلوكهم أمام الرأي العام وجعلهم موضع سخرية في المجتمع، حتى يكونوا عبرة لمن ستسول له نفسه أن يتلاعب بإرادة الناخبين التي هي أساس كل شرعية ومشروعية في المجتمع. أليس يقال في الأثر الشريف "إن الله يزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن".