بديل ـ أصيلة

أجهش ضابطان وعناصر أمن بالبكاء، وهم يرون الشرطة تُنزل، بعد زوال الأربعاء 9 يوليوز، المستشار الجماعي الزبير بنسعدون، من سيارة الأمن، التي حل بها قادما من سجن طنجة، لحضور مراسيم جنازة والده، الحاج الرايس بنسعدون، الذي توفي في الساعات الأولى من صباح نفس اليوم المذكور.

وقال المستشار الجماعي يونس لطاهي، لموقع "بديل" إن الضابطين هما من حررا محضر بنسعدون وهما أدرى الناس ببراءته مما نسب إليه ودخل بسببه إلى السجن.

وتحولت الجنازة الدينية إلى جنازة سياسية لمحاكمة الرئيس الأبدي للمجلس البلدي لمدينة أصيلة محمد بنعيسى.

وهتف آلاف المشيعين، بشعار "لا إله إلا الله بنعيسى عدو الله" قبل أن يهتفوا "يا ملك يا مسؤول بنسعدون راه مظلوم".

كما هتفوا، وبينهم نشطاء 20 فبراير، بشعارات "الشعب يريد اسقاط الفساد"، "يا ملك الفقرا..آجي تشوف المهزلة".

وجاءت هذه الهتافات مباشرة بعد ركوب بنسعدون في سيارة الأمن عائدا إلى السجن، حيث نظم المشيعون مسيرة حاشدة، انطلقت من مقبرة الريحان، مرورا بشارع الحسن الثاني وصولا إلى ساحة محمد السادس.

وفي سابقة لا عهد للمنقطة بها، شارك النساء في مراسيم الجنازة، مرددات الشعارات التي هتف بها المشيعون.
وعرفت الجنازة حضورا امنيا مكثفا، تشكل من مختلف الفرق الامنية.

وشارك في مراسيم الجنازة كل مكونات المشهد السياسي في المدينة؛ أعضاء من أحزاب "الإستقلال" و"التقدم والإشتراكية" و"الأحرار" و"العدالة والتنمية" و"الإتحاد الاشتراكي"، وممثلين عن مختلف الهيئات الحقوقية والمدنية.

ورغم طبيعة المناسبة التي هي جنازة في شهر فضيل وهو شهر رمضان، لم يكلف محمد بنعيسى نفسه مجرد الاتصال هاتفيا بأي فرد من أفراد أسرة بنسعدون، التي غطتها الساكنة بعطفها أمام مصابها الجلل.

وهاج العديد من الحاضرين مباشرة بعدما رأوا بنسعدون ينزل من سيارة الأمن، قبل أن يحتضنوه، مقدمين التعازي في وفاة والده.
وخلع أحد المشيعين ملابسه وهو يصرخ "والله حتنقتلك آبنعيسى وبنْتي في أصيلة" كاشفا عن اسمه ولقبه أمام ذهول الجميع.

وقال يوسف، شقيق الزبير، لمسؤول أمني، بدا مرتبكا من هيجان المشيعين، "نحن من سحميكم ونوفر الأمن أنتم ضيوف عندنا اليوم، والكل سيمر بامن وأمان".

وكذلك كان، فقد مرت الجنازة في أجواء مهيبة، وبدا التأثر واضحا على محيا الزبير، دون أن يستسلم لدموعه.

وحضر بنسعدون إلى الجنازة بتدخل من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وكان مرتقبا تنظيم وقفة احتجاجية من أجله أمام وزارة العدل اليوم، قبل أن تؤجل بعد سماع خبر وفاة والده.

ويقبع بنسعدون في سجن طنجة على خلفية حكم قضى بثلاث سنوات سجنا نافذا، بعد مؤاخذته بتهمة الإتجار في المخدرات.

ويعتبر هذا الحكم، بحسب المراقبين، أغرب حكم في تاريخ مغرب ما بعد الإستقلال، حيث بني على وجدان القضاة فقط، بعدما لم تجد هيئة محكمة النقض من دليل لتبرير حكمها سوى القول هكذا "واقتنعت المحكمة وجدانيا" بأن المتهم تاجر مخدرات.

أغرب من هذا، في الحكم الإبتدائي الذي نال بموجبه بنسعدون البراءة يقول القاضي الذي أصدر الحكم إن الملف حرك ضد بنسعدون "عقابا لنشاطه النقابي والسياسي والجمعوي، لهذا قررنا ببراءة المتهم".

بل إن شخصا أقر في المحكمة بان المخدرات تعود لاخيه، ما جعل القاضي يبرئ ساحة بنسعدون، قبل أن تتدخل التماسيح وتحول البراءة إلى 3 سنوات في المرحلة الإستئنافية.

اما "غريبة الغرائب" فهي أن الشاهدين الذين شهدا ضد بنسعدون فقد جاءا إلى المحكمة دون ان يطلب منهما أحد ذلك، بل لبنسعدون معهما خصومة قضائية ثابتة بحكم قضائي، مما يمنع شهادتهما قانونيا، علما أن الواقعة موضوع الحكم جرت سنة 2006 بمحج محمد السادس بطنجة، والشاهدين معتقلين منذ سنة 2005 إلى سنة 2009، فكيف يشهدان على واقعة خارج السجن؟

وكان أكثر ما جعل الصورة ضبابية في ملف بنسعدون هي الصحافة وتحديدا "أخبار اليوم المغربية"، التي ضلت تتحامل على بنسعدون وتحرض القضاء عليه، بل واحتفلت باعتقاله بعنوان هكذا "وأخيرا ..اعتقال بنسعدون" وكأنه اعتقال لفاسد وليس مناضل تشهد مدينته وحتى جيران مدينته على نزاهته ومقاومته للفساد.
يشار إلى أن أخت صغرى لبنسعدون توفيت أسبوع فقط قبل اعتقاله.