بديل ـ الرباط

ينص الفصل العشرون من الدستور المغربي على أن "الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان. ويحمي القانون هذا الحق". وينص فصله الواحد والعشرون على أنه "لكل فرد الحق في سلامة شخصه وأقربائه، وحماية ممتلكاته"، على أن "تضمن السلطات العمومية سلامة السكان، وسلامة التراب الوطني، في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع". أما الفصل الثاني والعشرون فتفيد مقتضياته بأنه "لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة". بينما ينص الفصل الرابع والعشرون على أنه "لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة، لا تنتهك حرمة المنزل. ولا يمكن القيام بأي تفتيش إلا وفق الشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون.

وعندما يقول رئيس "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" إن أزيد من ثلاثين رجل أمن اقتحموا مقر الجمعية بآلات حديدية، دون أن يدلوا بأي وثيقة تثبت هويتهم ولا قدموا قرارا قانونيا يبرر اقتحامهم لمقر الجمعية، وحين تقول الحقوقية، ربيعة البوزيدي، بأن رجل أمن "كان غادي يقتلني"، وبأن رجال أمن "شتفوا علي".... وأن بعضهم"وقفوا على صدري بركابيهم، وأحدهم سد لي فمي".... "واحد تيقجني"، ولا يصدر أي بيان حقيقة عن ولاية الرباط أو وزارة الداخلية، ولا تتحرك النيابة العامة لحد الساعة، ولا مسؤول حكومي يوضح أو يعتذر، فإن "الدستور" "يُذبح" وأول المتضررين من هذا "الذبح" هي صورة الملك.

بمقتضى الفصل الثاني والأربعين الملك هو " رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة".
وحتى رئيس الحكومة عبر عنها صراحة ودون لف ولا دوران في تصريح صحافي سابق حين قال "الملك هو من يحكم في المغرب لا يمكن أن أكذب على المغاربة".

وإذا كان الملك هو من يحكم في المغرب بمقتضى الدستور وتصريح رئيس الحكومة فإن ما وقع يوم الأحد يضر كثيرا بصورته، ويسيء إلى شخصه المسؤول وإلى حكمه، وحين تتضرر صورة الملك في المغرب فسلام عليك يا وطني، لأن المغاربة إنما يصبرون على الأوضاع لتقديرهم للملك وتعلقهم به واحترامهم له، لكن إلى متى سيحترمونه إذا تأكدوا أنه لا يسهر على احترام الدستور وحماية الحقوق والقانون وحرمات المقرات والمنازل؟

مؤسف جدا، وكم يحز في النفس كثيرا أن ترى سلوكات طائشة مثل هذه تعصف بمكتسبات كبيرة حققها المغرب. نعم، من حق السلطات أن تضرب بيد من حديد على يد كل عابث بالقانون كان صحفيا أو قاضيا كان فرنسيا أو مغربيا، جمعية كانت أو حزبا، فقط أن يكون هذا الضرب بالقانون والقضاء وليس بالآلات الحادة، وبأساليب حسبنا أن السلطات قطعت معها، وبلغة غير مسؤولة، كما ورد في بيان ولاية الرباط حين أشارت إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بعبارة "أحد المباني" وكأن هذا المبنى لا يحمل صفة المنفعة العمومية التي منحتها الدولة بنفسها للجمعية!

تعاني السلطة أو بعضها من جهل كبير بأربعة أمور على الأقل إذا لم تتداركهم ستكون التكلفة كبيرة على الوطن في المستقبل؛ الأمر الأول، أنها تتوهم أن الرعب يصنع دولة، وحدها الديمقراطية تصنع دولة، فلو كان الرعب ينفع لنفع ديكتاتور ليبيا معمر القدافي وديكتاتور تونس زين العابدين بنعلي وديكتاتور البرتغال أنطونيو دو أوليفيرا سالازار وغيرهم من المستبدين الذين لفظهم التاريخ؛

الأمر الثاني، أنها عجزت عن التخلص من مرض الوصاية على المجتمع وهيئاته الصحافية والحقوقية والسياسية، إنها لا تؤمن أبدا بوجود شركاء وحلفاء لها مستقلين عنها يتصارعون معها من أجل بناء وطن؛

 الأمر الثالث، أنها لا تقدر دورة التاريخ وصيروته الحلزونية، فتغتر بكل نصر صغير على طلاب التغيير بعد أن تحسبه نصر  لها في حرب، لا  نصر في معركة، كما تتوهم أن سندها الغربي سيدوم إلى الأبد؛

الأمر الرابع، أنها لا تقدر معنى أن يكون هناك شعب طيب مثل الشعب المغربي وملك بشرعية مكثفة وكبيرة، بصرف النظر إن كانت هناك مؤاخذات عليه، وحين تقدم السلطات على مثل ما أقدمت عليه يوم الأحد ضد الجمعية، فإنها بذلك تضحي بطيبوبة هذا الشعب، عاجلا أم آجلا، وتعصف بشرعية الملك؛ لأنه لا شرعية تدوم مع انتهاك الدستور والحرمات والقانون والمقرات !