قرأت كتاب “آلام فارتر” للفيلسوف الألماني جيته” في مرحلة مبكرة من حياتي بترجمة محمد حسن الزيات وتقديم طه حسين. كتاب مؤثر جدا. انتحر بعد قراءته كثير من الشباب في ألمانيا، لأن البطل انتحر في نهاية الرواية. إنه “فعل القراءة” منجزا ومتحققا خارج النص. هل ما زال من شبابنا/ العشاق اليوم من هو مستعد للموت في سبيل من يحب؟ وهل يرى المحبوبة تستحق أصلا أن يموت العاشق من أجلها؟

مَن يستقرى التراث الشعري العربي القديم، يلحظ أن المرأة دائما هي التي تغدر؛ فهي من يهجر ويرحل. هل لأن أصحاب هذه القصائد رجال؟ وبالتالي لم يُتح للمرأة أن تعبر عن وجهة نظرها، لأن تقاليد وأعراف القبيلة كانت تمنع المرأة/ الشاعرة أن تنظم شعرا في غرض الغزل. فمن يقرأ قصائد عائشة التيمورية مثلا في الغزل يجدها تدور في فلك ما تقبله الأعراف والأخلاق؛ فالمرأة في سياق الثقافة العربية لا يمكنها أن تعرض نفسها على الرجل، كما أنها لا تستطيع أن تبوح بمكنون الفؤاد، تحول بينها وبين ذلك تقاليد ثقافية وأعراف اجتماعية صارمة.

ولعل الجميع يتذكر مأساة الأديبة “مي زيادة” مع جبران خليل جبران، فقد جمعتهما قصة حب عاصفة كما تشهد على ذلك الرسائل المتبادلة بينهما (اختار لها ناشراها عنوانا دالا هو “الشعلة الزرقاء”). لكن تقاليد الشرق منعت هذه القصة من أن تتجه نحو نهايتها الطبيعية. فجبران لم يستطع المجئ إليها، ومي (الفتاة الشرقية المثقفة) لم تجرؤ على الذهاب إلى جبران (الرجل). لقد فشلت قصة حب كبير بسبب تقاليد الشرق وعاداته. الشاعرة الوحيدة التي مثلت الاستثناء في تاريخ الأدب العربي هي ولادة بنت المستكفي في عشقها المحموم للشاعر الرقيق ابن زيدون؛ فلها أبيات في الغزل تكشف عن جرأة كبيرة، تكاد تدخلها دائرة المجون. حيث تروي كتب الأدب أنها كتبت في طراز جعلته في أحد عاتقيها:
أنا والله أصلح للمعالي … وأمشي مشيتي وأتيه تيهاً
وكتبت في الطراز الآخر:
أمكن عاشقي من صحن خدي … وأمنح قبلتي من يشتهيها
وهي التي شغفها حب ابن زيدون فكتبت إليه تعد بالزيارة بعد طول تمنع:
ترقب إذا جن الظلام زيارتي … فإني رأيت الليل أكتم للسرِّ
وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح … وبالبدر لم يطلع، وبالنجم لم يسرِ
وكانت مع ذلك مشهورة بالصيانة والعفاف كما ذكرت الكتب التي ترجمت لها ولم تتزوج قط. لقد كان الحب عاطفة سامية تستحق أن تبذل في سبيلها المهج والأرواح كما يشهد على ذلك ديوان العشق والصبابة في الأدب العربي، حيث نعثر على كثير من الأبيات الشعرية التي تربط الحب بالموت مثل قول الشاعر:
جفنه علم الغزل / ومن الحب ما قتل.
وقول الآخر:
إن العيون التي في طرفها حور/ قتلننا ثم لا يحيينا قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك له/ وهن أضعف خلق الله إنسانا
وقد كان من المستحب أن يشتهر الإنسان بعشق امرأة واحدة يوقف عليها قلبه وحبه. وكانت نتيجة ذلك ثنائيات رائعة: مجنون ليلى وحميل بثينة وكثير عزة وقيس لبنى.
لقد كان الحب قيمة القيم بها تتحقق إنسانية الإنسان كما يكشف عن ذلك قول الشاعر القديم:
إذا أنت لم تعشق ولم تدري ما الهوى/ فقم واعتلف تبنا فأنت حمار
كذا.. أورده ابن قيم الجوزية في كتابه “الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي”. وهو فقيه متشدد من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية.
ولعله من اللافت أن الفقهاء الذين اشتهروا بالمحافظة والتزمت لم يسلموا من غواية الحب” فألف بعضهم في الموضوع كتبا مستقلة اشتهر بعضها بطرافة التناول كما هو الشأن بالنسبة إلى كتاب طوق الحمامة” الذي ألفه فقيه أديب هو ابن حزم الذي أسس مذهبا فقهيا في الأندلس عرف بـ “المذهب الظاهري" يقول فيه: "لقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن مالا يكاد يعلمه غيري، لأني ربيت في حجورهن ، ونشأت بين أيديهن ولم أعرف غيرهن... وهن علمنني القرآن وروينني كثيراً من الأشعار، ودربنني في الخط..."
وفي الكتاب محاولة لتفسير ظاهرة الحب واستقصاء لعلاماته وسرد لسير العاشقين وأهل الغرام من دون أن ينسى المؤلف أن يورد أطرافا من سيرته سرد خلالها علاقته بالنساء ومعاناته في الحب. كما رصد العشاق من الكبراء وجلة القوم. ولا يعني هذا أن التأليف في موضوعة الحب كان دائما مرتبطا بالتقدير والاحتفاء عند الفقهاء فقد صنف بعضهم كتبا في التحذير من الانسياق وراء غواية الحب كما يكشف عن ذلك كتاب فقيه آخر هو ابن الجوزي الذي وضع كتابا وسمه بعنوان يدل على غايته من تأليفه حيث أسماه “ذم الهوى “.
لقد عاشت المرأة العربية قصة الحب باعتبارها عاطفة إنسانية سامية. وهناك بون شاسع جدا بين المرأة العربية العاشقة كما صورتها كتب الأدب العربي وبين صورتها في الفيديو كليبات التي تمطرنا بها الفضائيات كل يوم.
كم تغير الذوق وكم تغيرت أحوال العشاق.