مصطفى عاقل

ما أشبه اليوم بالأمس، في رمضان من السنة الماضية عشنا الحرب الدموية على رابعة بكل تفاصيلها وبكل الظلم الذي أصابها من طرف جنرال عسكري إنقلابي متصهين حتى النخاع، و في هذه السنة داخل نفس الأجواء الروحانية المرتبطة برمضان يتم إشعال فتيل الحرب على غزة ربما ليكون مصيرها ومصير سكانها هو نفس مصير رابعة في حرب صهيو-مصرية على الإخوان المكون الإسلامي الكبير داخل هذه الأمة.

لكن يبدو أن الكيان الصهيوني يدمر اليوم مدينة غزة الفلسطينية بالوكالة عن النظام المصري الذي أخذ عهدا على نفسه أن يضرب الإخوان المسلمين بكل الوسائل الممكنة حتى في غزة، من خلال الإمعان في إغلاق معبر رفح الحدودي المتنفس الوحيد لمليون ونصف من الفلسطينيين، وتبني مبادرة سفيهة لا تخدم مصلحة القضية العربية بصفة عامة، فمن يدري فقد يحاربهم وهو مدير الإستخبارات المصرية سابقا، في كل من الأردن والكويت والعراق والإمارات وفي لبنان وفي كل العالم لاسيما وأن الحرب ما تزال في بدايتها.

لم يكن أحد ينتظر من مصر ومن حكامها العسكريين الإنقلابيين كل هذا الإستهداف وكل هذا العمق في الإستئصال والدمار لجزء من هذه الامة، وكل الحقد والكراهية الدفينة للقضية الفلسطينية بالذات وهي أم القضايا في انسجام عسكري وأمني تام بينه وبين الصهاينة.

فلو كان هذا التوجه الرسمي المصري سلبيا في التعامل مع أهالي غزة والقضية العربية الفلسطينة بحكم معطيات سياسية استراتيجية مبنية على رؤية علمية لهان الأمر واعتبرناه عرضيا، لكن أن نسجل إصرارا وحقدا في تدمير غزة والجهر في وسائل الإعلام المصرية بهذا التوجه، وبهكذا أسلوب في التعامل، والإعلان عنه للعالم دون حياء لتعبير عن الإنحطاط الفظيع في المنظومة الاخلاقية للسياسة العربية والمصرية على وجه الخصوص.

الحرب مند البداية كما تابعها الجميع مدروسة، ومعد لها إعدادا دقيقا في مصر وفي تل أبيب وفي عواصم عربية أخرى كانت بدايتها الحملات الإعلامية المشككة في الثوابت الاخلاقية والثقافية للأمة.. ثم تلاها نسيج لحكاية المستوطنين الثلاث ثم بداية العدوان المتعدد الجنسيات على غزة.

ما نزال في بداية هذه الحروب على البديل الإسلامي وعلى المكون الإسلامي القادر على إعادة صياغة المفاهيم مرة أخرى بنظرة إنسانية، بنظرة لا تجعل للطغاة وللإستكبار العالمي حظا فيها. الأيام القليلة القادمة وحدها الكفيلة بأن تكشف عن كل التفاصيل المرتبطة بهذا المسلسل الرهيب، وهذا المحور المتصهين داخل الدول العربية. في الأيام القليلة القادمة سوف يستمر سقوط الأقنعة تباعا عن كل الانظمة الديكتاتورية الحاكمة المنافقة، وعن كل المكونات السياسية الليبرالية المتصهينة في بلادنا.

في الساعات القليلة القادمة لن تُسمع في العالم لغةٌ غير لغة المقاومة، ولا رِكزاً إلا ركز المدافع، ولا دكا إلا دك الصواريخ، سوف تسقط السياسة الغوغائية العربية لاسيما دعاة التفاوض البئيس، ودعاة السلام الغبي، ودعاة المبادرات الشيطانية، وطبعا تخرج غزة وفلسطين ومن معها، سالمة، منتصرة في نهاية هذا المطاف من صراع الصدق والخيانات في القضية الجوهرية للأمة. وحتى يعلم تجار السلام في العالم أن فلسطين لم ولن تكون أبدا سلعة للتبادل الحر بين سماسرة السياسة داخل مجلس الامن، أو داخل الأتحاد الأوروبي، ولا حتى داخل حانوت الجامعة العربية.