ليس من عادتي أن أسارع إلى الأخبار التي عادة ما تعنى بالمثقفين، المغاربة، وسواء من ناحية الإخبار في حد ذاته وفي مستوياته المختلفة أو من ناحية ما يتجاوز الإخبار نحو الاستهداف في مستوياته المختلفة بدورها. ودون أن يفيد ذلك تنزيه المثقفين عن النقد، فـ"لا شيء يعلو على النقد والمراجعة" كما يقول الفيلسوف إيمانويل كانط. ولذلك فإن ما اطلعت عليه، وبخصوص المثقفين بالمغرب، يفرض "التدخّل" و"النقاش" و"إبداء الرأي" و"الاعتراض"... وكلّها أشكال وآليات مطلوبة ومحمودة بدلا من الارتكان للصمت على مأخذ "صمت المثقفين بالمغرب". وجاء الخبر/ البيان بمناسبة معرض المغرب الدولي للكتاب، الذي سينطلق يوم غد الجمعة، ومن قبل منظمة العفو الدولية ذاتها التي ستشارك في المعرض، وفقاً للبيان نفسه.
ويقول البيان، وضمن ما يقوله، "دعت منظمة العفو الدولية، المثقفين والمبدعين والكتّاب في المغرب، إلى تأسيس جبهة ثقافية لمواجهة "التطرف، والتعصب، والإرهاب"، والدفاع عن "الحقوق والحريات الأساسية للأفراد". وجاء ذلك في بيان صادر عن فرع المنظمة في العاصمة المغربية، الرباط، اليوم الثلاثاء، وصل الأناضول نسخة منه". وتضيف المنظمة إن "هذا الوضع المشحون بالتهديدات والتحديات المتمثلة في خطر التطرف بكافة ألوانه الديني، والسياسي، والعرقي، والثقافي، يضع المثقفين في الصفوف الأمامية في معركة التغيير وترسيخ حقوق الإنسان في بعدها الكوني"، داعية في الوقت نفسه إلى "مساندة قضايا المرأة، والأقليات، وحماية حقوق المهاجرين واللاجئين". وأضافت أن "الحاجة أصبحت ماسة إلى مثقفين شجعان لا يتبنون فقط أجندة حقوق الإنسان، وإنما يجعلون من أقلامهم سلاحاً لمحاصرة الخطر الداهم للمتطرفين الذين يسعون بكل السبل لترهيب دعاة الحرية، واغتيال قيم التسامح والاختلاف والتنوع".
وفي مقابل ذلك "نوهت المنظمة الدولية إلى دور من وصفتهم بـ"المثقفين التنويريين"، بأنه "أصبح مطلوبًا أكثر في السياق الراهن الذي يشهد تسلل الأفكار المتطرفة إلى الجامعة، والمؤلفات، والكتب المدرسية، ومناهج التعليم، بالإضافة إلى انتشار ظاهرة الفتاوى، والدعوات التحريضية التي تدفع الشباب إلى العنف والتطرف، وإلى كراهية الآخر، وتبني المعتقدات القائمة على التخلف والانغلاق".
وأشارت إلى أن "الإرهابيين يخشون قوة الإبداع والكلمة، ولذلك فإنهم يستهدفون المبدعين"، وفي هذا الصدد قالت :"ينبغي أن يقف أصحاب الكلمة والقلم في جبهة ثقافية واحدة، لمساندة الذين يخاطرون بكل شيء، في سبيل التجرؤ على الكلام خارج قوالب المعتقدات الجاهزة". ورأت أن "كلمة الكتاب والأدباء تتمتع بالقوة، وينبغي أن تستخدم هذه القوة في التنوير والضغط من أجل إحداث التغيير الآن".

ومعذرة على الاستعادة، المطوّلة، التي ليست من عادتي في مقالاتي وبما في ذلك العديد من المقالات التي نشرتها حول المثقفين بالمغرب ومن زوايا موضوعاتية مختلفة يميل أغلبها إلى النقد لكن دونما تفريط في ضرورة لفت الانتباه إلى السياق الذي يتحرّك في إطار منه المثقفون بالمغرب وهو سياق مضطرب وضاغط ومتقلّب وخانق. وأعتقد أنه من الضروري الالتفات إلى هذا السياق وفي المدار ذاته التشديد على مقولة "التغيير" التي هي "قضية القضايا" في البيان.

وفي نظري البيان لا يخلو من أهمية نقدية وتاريخية بالغة الأهمية، ولا نملك إلا أن نشاطره صمت المثقفين بالمغرب على العديد من القضايا اللاهبة التي أشار إليها البيان وبخاصة من ناحية نيران التطرف المتزايدة ومن ناحية كميات الكراهية الكاسحة للمرأة والإبداع.... وبما يهدّد مجموع المجتمع ككل أو "كليته" (Totalité) بمعناها المصاغ في العلوم الاجتماعية.

وأوافق على تحمّل المثقف لمسؤوليته على هذا المستوى بالذات وبالنظر للأدوار ــ الطلائعية ــ التي اضطلع بها المثقفون على مر التاريخ، والنماذج كثيرة ومتعدّدة. فدور الفكر، وبمعناه الجذري، وفي إطار من "تمثّلات المثقف" كما يُنظّر لها ملف إدوارد سعيد، لازم... وعلى نحو ما يمكن أن يؤديه كل من المفكر ذاته والشاعر والروائي والرسام والمغني... أي كل من يمتلك أشكال التمثيل والتدخّل عبر الكلمة واللون والصوت... أي عبر "النص" بمعناه المصاغ في "حفريات المعرفة" التي تعلّمنا أن الناس ــ في آخر المطاف ــ مفعول "نصوص" تنمذج شخصياتهم بل وتقولبها وتدفعها للاصطفاف والاقتتال والانتحار وتصفية الآخرين... إلخ.

غير أنه، وحتى لا نسقط في النظرة التجزيئية، والهادرة للسياق ذاته، من المفيد استحضار السياق الذي يتحرّك فيه المثقف بالمغرب. وعلاوة على ما أشرنا إليه بخصوص السياق نفسه من قبل، لا بد من استحضار "الخراب الشامل" الذي يعيشه المغرب نقابات وأحزابا وهيئات حقوقية وإعلاما... عدا في حالات نادرة ونادرة جدا. وهذا في الوقت الذي كان فيه من المفروض أن تمثل هذه الأطراف سندا للمثقف في نقده وأحلامه (بالتغيير). أظن أن مفهوم "الجبهة" الذي طرحه البيان، لا يمكنه التبلور إلا في ضوء تكامل هذه الأطراف. وإلا سنلخص المثقف في "ملاكم" أو سندفع به إلى حريق مؤكَّد داخل بنيات مهترئة.