في سياق السجال الحاصل على إثر التقرير الذي أصدره "المجلس الوطني لحقوق الإنسان"، والذي يتضمن توصية تنص على ضرورة إقرار المساواة بين الجنسين، كتب الشاعر صلاح الوديع رسالة مثيرة موجهة لنساء حزب "العدالة والتنمية".

وهذا نص الرسالة كاملا:

إلى الصديقات الفاضلات من نساء العدالة والتنمية،

تحية طيبة وبعد،

استمعت واشتغلت مع العديدات منكن في مجالات مختلفة واحتفظت معكن بلا استثناء بعلاقات احترام وتقدير. وأجدني اليوم وبنفس الروح أتوجه إليكن وبينكن السيدة سميرة بوحمدان، التي وجدتُ في اجتهادها بصدد موضوع الإرث المثار مؤخرا شجاعة أدبية تحسب لها، راغبا في المزيد من الإنصات المتبادل في هذا الموضوع الحساس، لعله يعيننا على تلمس سبيل الحقيقة أو جزء منها،

لقد فتح السجال في موضوع الإرث إذن، ولكم يسرني أن أخاطبكن والقناعة لا تفارقني بوجود الضمائر الحية في كل مكان وزمان بلا استثناء، وها قد بدأنا نسمع براهين وحجج البعض مما هو مبكٍ وما هو مضحك في موضوع الإرث،

وها نحن نراهم وهم ينبرون ليخبرونا أن المجتمع المغربي المسكين محافظ يجب تفادي إصابته بالصدمة،

ورأينا منهم من يستكثر على مجلس حقوق الإنسان الخوض في الموضوع باعتباره ليس من مهامه ولا من مسؤوليته، ومن يعتبر هؤلاء المغاربة أعضاء المجلس الذين يشاركونه المواطنة، مجرد “كراكيز” مع أن ليس له عليهم مأخذ إلا أنهم يخالفونه في الاجتهاد والرأي، فشكرا لك يا رب أنك لم تمكـّن للداعشية موطئ قدم وإلا لكان هؤلاء قد تم صلبهم على الجدران…

ورأينا من يتأوه استهجانا واحتقارا لكون رئيس المجلس إياه قد شرب حليب السباع فتمطى وتجبر وسد منافذ الأقطار (كما تقول الأزلية) وكان حريا به أن يكتفي بحليب الأرانب أو الفئران كما فعل الكثيرون ممن كانوا يدبجون رسائل الانبطاح والإذعان الطوعي حتى أصبحوا مدافعين عن إمارة المؤمنين رغم أنفها، يتقافزون للدفاع عنها رياءً لا اقتناعا باعتبارها الوصية على الموضوع “لا دخل لأحد به غيرها”.

وها إن بعضهم يصرح منتفخا أن الأمر قد حسم منذ زمان وإلى أبد الآبدين بعد أن أُشبع بحثا وتقليبا وطويت صفحته، كأن أصحاب هذا الفريق قد تلقوا إشارة من العلياء تأمرهم أن يتحركوا دفاعا عن الله وما يدافعون إلا عن أنفسهم ومصالحهم.

وكم نجد بين الصائحين من يستمرئ احتساء كؤوس النبيذ بلا تردد أو يجد في لحم خنزير ما يغري بالتلذذ، أو التمتع بعسيلة حبيبة مما لا يصرح به من تعدد، أو الرضوخ للفوائد البنيكة بلا احتقان وجهٍ ولا تشدد (وهذه بالمناسبة حريات فردية لا أجادلهم في حقهم في ممارستها) وما أن تحدثه عن الإرث حتى يصبح مصلحا دينيا جهبذا لا يشق له غبار، حريصا على النص بالنقطة والفاصلة، النص الذي لا اجتهاد بعده، يا للسخرية المرة…

لو كان الأمر يتعلق فقط بالسياسيين المرتبطين بمواعيد انتخابية لفهمنا لـَفَّهُمْ ودورانهم في الكلام، ولكنك تجد بينهم الصحفي وحامل القلم وناظم الشعر وغيره،

تجد بينهم من يسبقه لسانه في كل شيء ما عدا حين يتعلق الأمر بحقوق النساء، إذ هي الوحيدة على ما يبدو المحكومة بنصوص قطعية… لا أناقش هنا الفقهاء المترامين على النصوص الدينية باعتبارها ملكهم الخاص لا يسبقهم أحد إليها، كأنما وصلهم الخبر توا بكونهم أوصياء على تفكيرنا وعقولنا أمام الله.

أناقش من يدعي أن له نصيبا في “الحداثة” والاجتهاد واعتماد روح العصر.

كيف لا تقبلون إعادة النظر في قواعد توزيع الإرث طبقا للتطورات الاجتماعية المتلاحقة وتقبلون مع ذلك أن تحمل المرأة الأثقال من أجل الرجال والأطفال في الجبال والبوادي وصور ذلك بيننا أكثر من أن تعد وتحصى؟

وتقبلون أن تشتغل الطفلات الصغيرات بيننا في شروط تذكر بالعبودية والسخرة؟

وتقبلون أن نرى النساء يستيقظن فجرا للعمل في المعامل والضيعات والمنازل والعمارات ويسابقن الرجال فيسبقنهم إلى حافلات الخامسة صباحا بضمير يقظ وعزيمة مذهلة؟

وتقبلون أن تضيف النساء عمل الشارع إلى أعباء التربية والطبخ والكنس والتصبين دون أن يرف لكم جفن؟ ولو فتحتم عيونكم بأمانة لوجدتم المقاهي ممتلئة في أربع أخماسها بالرجال دون النساء؟

كيف نتفهم أن يفضل الرجال التزوج من النساء بشرط أن يتوفرن على عمل ودخل؟ بل إن “رجولة” بعضهم تذهب بدون حياء إلى حد اشتراط وضع المرتب رهن إشارة الزوج اشتراطا؟

كيف تتعاملون مع أبناء الهالكين الذين لا يخلفون ذكورا، فتصبح بناتهم وأراملهم مشردات أمام أعين أعمام شرهين لا يعرفون من روح “الإسلام” إلا الإرث ولا شيء غير الإرث؟

ولماذ تقبلون النساء معكم مسئولات ووزيرات ونائبات وموظفات ومحاميات ومسئولات في مقاولات وأستاذات وحتى إذا ما تذرعتم بالمسؤوليات الاجتماعية التي على الرجال تجاه الأسر، وهي حقيقية ويمكن أن يعاد فيها النظر، أفلا تعتبرون تربية الأبناء والرعاية وتحضير الأكل وغسل الأواني وكي الملابس والتجفاف (هذا الاجتهاد مني) عملا يستحق أن يُحسب قيمة مضافة عند وضع المحاسبة الوطنية نهاية كل سنة؟

كفى صمتا، وكفى اعتبارا للرجولة كونها امتيازات تتحقق لمجرد التوفر على فيزيولوجيات ونواتئ الذكورة، فشتان بين الذكورة والرجولة…

هاهي النساء في عالم اليوم تطأطئ لهن فيه الجباه: رئيسات دول ورئيسات حكومات ووزيرات وأديبات وعالمات ورياضيات يتحكمن في سياسات تخصكم، وتحنون رؤوسكم لها بلا تردد وهن الآمرات، وحين يتعلق الأمر بالضعيفات من مواطناتكم تستأسدون وتتبرمون وتتصنعون الإخلاص للدين وما تخلصون إلا لأنانيتكم ومصالحكم، وتتذرعون بالنصوص وما إليها ولا تتأثرون للمهانة والحكرة التي ترتسم على محياهن وحين يتزوجن قبل الأوان وهن طفلات ويولـِّدُهن الأزواجُ الأبناءَ والبناتِ ويتخلون عنهن، رعاديد، ويتركونهن للضياع والتشرد، يرق لهم قلبكم الهش فتطلقون صناديق التضامن مع المطلقات والأرامل، لتظهروا في صورة الرحماء باسم الدين، وتذرفون دموع التماسيح… تبا للرجولة المدعاة.

ها نحن وجها لوجه أمام تناقضات وجبن وتردد العديد من سياسيينا وفقهائنا وصحفيينا وكتبتنا. فهل يمكن بهذه المبررات وأمام هذه الوقائع الفاقعة وهذا الظلم أن نخلد إلى الصمت الذي سرعان ما يتحول إلى تواطؤ .

لا مناص من النقاش في الموضوع اليوم، ولهذا أتوجه إليكن. لا يمكن لأحد كائنا من كان أن يقيم علينا الحجر فلا نقترب مما ينظم حياتنا، أسيادا وسيدات لأنفسنا أولا وقبل كل شيء. قد يقول قائل: ولماذا لا تبدأ بنفسك يا سيدي؟ وأقول جوابا عليه: هذا أمر محسوم بين أفراد أسرتنا الكبيرة والصغيرة منذ سنوات، فلا يملك أحد الرجال فينا أكثر من نصيب النساء، وهو التزام بادر به الذكور، علما بأننا نعلم أنهن ربما يَفـُقـْنـَنَا تضحية وبذلا وعطاء، وربما لو حكـَّمنا العدل كاملا لما طالبنا بأكثر من نصف نصيب الإناث…