يعرف الناس "صلاة الاستسقاء" وهي الصلاة التي تقام من أجل استدرار المطر في سنوات المحل والرمضاء، وهي شبيهة بما يوجد في كل الثقافات الإنسانية القديمة، التي كان فيها البشر يتضرعون إلى الآلهة من أجل المطر أو المحصول الجيّد، أو لدفع كوارث الطبيعة التي تسحق الإنسان بجبروتها الذي لا يقاوَم.
ويمكن للناس أن يتعرفوا هذه الأيام على صلاة جديدة يمكن أن ندعوها "صلاة الاستعراض"، وهي ليست قطعا صلاة المواطنين البسطاء الذين هم غالبية المصلين، لكنها صلاة رئيس الحكومة ومن معه من الذين دخلوا ميدان السياسة من باب العبث بالدين.
يفضل رئيس الحكومة الصلاة في الشارع وعلى قارعة الطريق، بل وأمام محطة بنزين وسخة، وفي ملتقى طرق يجعل الأمن يغلق كل الممرات إلى قلب العاصمة حتى يكتمل المشهد الاستعراضي، ويقوم الرئيس بذلك ليس لعدم وجود مساجد، بل فقط لاستعراض ميوله الروحية لأهداف لا تهمّ في الواقع سواه وأصحابه الذين عيونهم على الانتخابات القادمة.
هكذا يختلط الديني بالدنيوي، ولكن ليس في ذلك الانسجام الرائع الذي تعكسه ثقافة المواطنين من أبناء الشعب المغربي الذين يصلون "ابتغاء مرضاة الله" لا ابتغاء أصوات البشر، بل في خليط غير متجانس وذي سمعة سيئة بالنظر إلى نتائجه.
لا يفهم رئيس الحكومة بأن الناس لا تهمّهم صلاته ولا ابتهالاته وأذكاره، إذ هي لا تتعدى الإشباع الروحي لشخصه بالذات، بقدر ما يشغلهم مدى وفائه بوعوده التي قطعها على نفسه وأمام الملأ، وهي الوعود التي تهمّ الناس لأنها تتعلق بمعاشهم وحقوقهم الأساسية، وهي أيضا الوعود التي لم يتحقق منها شيء حتى الآن، بل إن بعضها انقلب إلى ضدّه وأعطى قرارات هي على النقيض مما تمّ الوعد به .
يعتقد رئيس الحكومة ومن معه من أعضاء جماعته الدينية بأن الناس ما زالوا يربطون صلاة المرء بصلاحه وتقواه ونزاهته، والحقيقة أن الناس بدأوا يدركون بأن الشرط الأساسي للثقة في المنتخبين ليس هو معتقدهم أو ميولهم الروحية بل عملهم الفعلي ذي المردودية الواقعية المباشرة، من هنا تصبح "صلاة الاستعراض" مجرد حيلة قديمة لا تنطلي على أغلبية الناس، وإن كان ما زال ضحيتها قلة من السذج.
وأتذكر بهذا الصدد تصريحا قديما للسيد أحمد الريسوني (منظر جماعة رئيس الحكومة ومن معه) قال فيه إن الدولة "مليئة بالملحدين"، ليبرر سيطرة أتباعه على الدولة، وكان جوابنا وقتذاك إن معيار قياس مردودية موظفي الدولة الحديثة ليس هو المعتقد أو ظاهر اللباس أو الوجه، بل العمل والإنتاج، فالدولة لا تؤدي أجورا لموظفيها لكي يُصلوا لأنفسهم بل ليعملوا من أجل "الصالح العام"، والصالح العام لا يتعلق بدين محدّد أو عقيدة من العقائد بل بالوطن الذي هو للجميع. وهي فلسفة يبدو أن الذين ابتلوا بعقيدة "الإخوان" المصريين لا يفهمونها لأنها ليست في صالحهم.