بديل ـ الرباط

في كانون الثاني، انتقال جديد إلى تازناخت، جنوب غرب ورزازات. حُبسوا في بيت من لُبن مؤلف من غرفتين، بقوا فيه ثلاث سنوات. وغدا النظام، فجأة، تعسفيا. صودرت أمتعتهم الخاصة. و المخصصات الغذائية قلصت إلى رغيف خبز وعلبة سردين يوميا لكل فرد من الثمانية. سُدت نوافذ المبنى بالطوب والحجر. وحثكم على المساجين أن يعيشوا من الآن فصاعدا في الظلمة على نسق الأموات الأحياء في تزمامارت، وعلى شاكلة جميع المعتقلين في مراكز التحقيق المغربية الذين تُعصب أعينهم بشكل مستمر. إرادة السيد حكمت بإلقائهم في غياهب الظُلمات.

خُبلوا من هذا الإرهاب، فأعلنوا للضابط المسؤول عن نيتهم في إعلان الإضراب عن الطعام. أشار الرجل إلى فناء الدار، و أجاب:

"هيا باشروا إضرابكم، أول من سيفطس منكم، سيُقبر في هذا الفناء و سيلحق الآخرون به".

غير أن رؤوف، بكر الصبيين توقف عن تناول الطعام غير مبال بالتهديد، فأوسع ضربا ليتراجع عن إضرابه، كما ضُربت مليكة التي لا تتحمل الظلمة المستمرة.

في العام 1977 منحت فاطمة إذنا بتوجيه التماس إلى الملك، تم على اثره نقلهم إلى مكان آخر، وُضعوا كل اثنين معا في حافلة صغيرة دون نوافذ. وانطلقت الحافلات تقل الأم و ابنة عمها، و الأولاد الستة في مسيرة استمرت اثنتين و عشرين ساعة باتجاه الشمال، حلوا بعدها في مزرعة قديمة لمعمرين فرنسيين واقعة قرب بير جديد على بعد نحو أربعين كيلومرا من الدار البيضاء. عُرف المكان، منذ عهد قريب باسم مزرعة منصور. المبنى بشكل حرف "" وهو محاط بشبكة من الأسلاك الشائكة، وتتوزع حواليه مراقب يكمن فيها جنود مسلحون بالرشيشيات. أطلق الفلاحون على المكان اسم "سجن العسكريين"، فعدا عن عائلة أوفقير، وُجد فيه ستة عشر شخصا معتقلا. غير بعيد عن المكان، مزرعة أخرى مخبوءة ضمن أجمة من الأشجار، يبدو أنها هي أيضا مركز اعتقال سري: السيارات لا تدخل إليها ولاتخرج منها إلا في الليل.

لأول مرة، فُرق أفراد عائلة أوفقير كل منهم عن الآخر. سُمح لعبد اللطيف وحده، وهو الآن في السابعة من العمر أن يبقى مع أمه. حبسوا في زنزانات صغيرة دون نوافذ، باستثناء كوة صغيرة يمرر الحراس منها جفنة الطعامز أرض الزنزانات من تربة مرصوصة. سطل ماء للشرب و الغسيل, دون اية تجهيزات صحية. ويتغوط المساجين في ثقب منقوب في الأرض. أما غذاؤهم فكان يقوم على صحن بقول في اليوم، استبدل به صحن حساء فيما بعد. بالطبع لا يسمح بأية خروج من الزنزانة. ويعيشون أربعا و عشرين ساعة من أربع و عشرين في هذا الجحر المنعزل المظلم. كانت الزنزانات مصمتة مما يحول دون إجراء الإتصالات المشتقة من مبرقة مورس التي يبتكرها جميع سجناء العالم. مرت تسع سنوات وكل فرد من الأسرة يجهل مصير الأفراد الآخرين المحبوسين على أمتار منه.

كان يُعتقد أن تزمامارت تمثل خلاصة الجحيم الحسني. فتبين وجود ماهو أمرَ منها.

يُتبع...