في شهر مارس من السنة الماضية حضر عبد الله بوانو رئيس الفريق البرلماني لحزب العدالة والتنمية في مجلس النواب إلى جانب رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران لحفل إطلاق قافلة المصباح من مدينة القنيطرة، وقال بوانو خلال هذا اللقاء الذي تحدث فيه عن حزب الأصالة والمعاصرة وعن القيادي النافذ فيه إلياس العماري، إن "زمن التحكم انتهى ولا يمكن الرجوع إليه"
وفي كل مرة يقع فيها الشد والجدب بين المعارضة ورئيس الحكومة في البرلمان بمجلسيه يخرج قيادي من فئة الصقور أو الحمائم للحديث على قوى التحكم ومشروع التحكم وأهداف هذه القوى التي وصفها رئيس الحكومة في خروج إعلامي له في الآونة الأخيرة بالعصابة التي تحن إلى العودة بالمغرب لمرحلة ما قبل 2011 للانقلاب على فلسفة خطاب 09 مارس ونتائج انتخابات 25 نونبر 2011.

تصريحات عبد الله بوانو التي نشرتها جريدة الصباح في عدد يوم الجمعة 08 ماي 2015، والتي أكد فيها هذا الأخير، على استحالة العودة لزمن التحكم، تصريحات لم يعد لها نفس الأثر الذي كان لها في زمن الحراك و بعد انتخابات 25 نونبر 2011 التي بوأت حزب العدالة والتنمية الرتبة الأولى الأولى بــــ 107 مقاعد ومكنته من قيادة الحكومة التي منح الدستور صلاحيات واسعة لرئيس الحكومة مقارنة مع الصلاحيات التي كانت ممنوحة أو مخولة للوزير الأول في دستور 1996 الذي لم يتم القطع معه.

عودة القيادة الحزبية للعدالة والتنمية إلى الحديث عن حنين بعض الأطراف إلى العودة بالبلاد لزمن التحكم سلوك يؤكد أن حزب العدالة والتنمية لا زال غير مطمئنا سياسيا على موقعه الحكومي. كما ينم عن وجود هواجس وتخوفات لدى قيادته الحزبية، ولاسيما، أمينه العام عبد الإله بنكيران من وجود مخططات انقلابية على الشرعية الديمقراطية للحكومة التي يرأسها في إطار تحالف سياسي يضم أربعة أحزاب سياسية تنتمي لمرجعيات فكرية وإديلوجية محتلفة.

من الأخطاء الفادحة التي وقع فيها حزب العدالة والتنمية مند تعيين بنكيران رئيسا للحكومة على ضوء نتائج انتخابات 25 نونبر 2011، اعتقاده أن العلاقة الجيدة مع الملك بصفته رئيسا للدولة عامل كافي لكي تشتغل الحكومة بأريحية دون وجود أي مقاومة تذكر، وهذا في رأيي الشخصي اعتقاد خاطئ تفنده سوابق الماضي الذي يمكن الاستئناس فيه بــما سمي في الأدبيات السياسية بــ" تجربة التناوب" التي انخرط فيها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في سياق توافق مع القصر بني على القسم في المصحف خارج أي تعاقد مكتوب.

الاتكال المفرط لرئيس الحكومة وحزبه العدالة والتنمية على العلاقة الشخصية مع القصر بدل الاتكال على القواعد الدستورية التي تحدد ما للملك وما لرئيس الحكومة عامل سيكون له مما لاشك في ذلك أثر سياسي فادح على مستقبل الحكومة والحزب معا...

كلام رئيس الفريق البرلماني لحزب العدالة والتنمية في مجلس النواب عبد الله بوانو عن معارضة التعليمات وعن استحالة عودة منطق التحكم، مؤشر سياسي قوي على أن حزب العدالة والتنمية بدأ يشعر أن هناك جهات ما في مكان ما بدأت تتحرك لخلط أوراق الحكومة أو إرباكها سياسيا، لاسيما، عندما نستحضر السياق السياسي الذي جاءت فيه تصريحات بوانو التي كانت مسبوقة بتصريحات غريبة عجيبة لكل من شباط وإدريس لشكر ومصطفى بكوري.
عندما يتحدث بوانو على الرغبة في عودة التحكم فهو يقصد بذلك مشروع حزب الأصالة والمعاصرة الذي أسسه الوزير المنتدب السابق في وزارة الداخلية فؤاد عالي الهمة الذي عينه الملك مستشارا له في عز الحراك الذي رفعت فيه شعارات ضد التحكم والسلطوية والفساد والاستبداد.
رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران فرط في صلاحياته الدستورية في أكثر من قضية وفرط في السند الحقيقي لمشروعية حزبه السياسية وحكومته الانتخابية. إنه السند الشعبي الذي التف عليه الحزب وعمل على تطويعه ومحاولة إضعافه بقرارات مضرة بمصالح فئات عريضة من المغاربة لإرضاء المخزن وكسب رضاه، لاسيما، وأن هناك أطراف مؤثرة في الدولة لا تنظر لحزب العدالة والتنمية بعين الرضا.
صحيح أن القوى التي يتهمها حزب العدالة والتنمية بالرغبة في إعادة المغرب إلى زمن التحكم قوى أصبحت تتصرف داخل المشهد السياسي تصرفات مثيرة وكأنها هي التجسيد الحقيقي للوطن والدولة والشعب، وتعطي الانطباع للرأي العام الوطني والدولي على أن الحزب الإسلامي الذي يقود الحكومة الحالية، يشكل خطرا داهما على المجتمع والدولة !!.
لكن ماذا عن تصرفات رئيس الحكومة في أكثر من مناسبة؟ وماذا عن مشاريع قوانين حكومته؟
الأحزاب السياسية التي ترغب في عودة منطق التحكم بصيغه القديمة، للاستمرار في السيطرة على تدبير المجالات الحيوية والإستراتيجية في الدولة ولسد الطريق على أي نفاذ ممكن لحزب العدالة والتنمية إلى هذه المجالات، أحزاب لا تملك سلطة القرار السياسي والأطراف التي تملي عليها اختياراتها من وراء الستار، ينبغي عليها أن تدرك أن المغاربة في سنة 2011، شكلوا استثناء عربيا ومغاربيا رائعا عندما خرجوا يحتجون في أكثر من 55 عمالة وإقليم بطرق سلمية للمطالبة بالديمقراطية وإسقاط الفساد والاستبداد وربط المسؤولية بالمحاسبة وفصل الثروة عن السلطة..في وقت انجرت فيه شعوب أخرى إلى دوامة العنف ودخلت في حالة من عدم الاستقرار لم تفلح في الخروج منها إلى يومنا هذا.
وعي المغاربة بأهمية الأمن والاستقرار في هذا البلد لم يتم استثماره بشكل ايجابي من طرف صناع القرار في الدولة، بدليل أن العقل التحكمي القمعي داخلها سارع خلال السنة الأولى من عمر حكومة عبد الإله بنكيران إلى نهج مقاربة متشددة في التعاطي مع المجتمع المدني وحركة 20 فبراير والأحزاب السياسية التي دعمت الحراك.
السؤال المطروح: هل قاومت حكومة بنكيران هذه المقاربة ووقفت في وجهها سدا منيعا؟ أم أنها تصرفت مثل النعامة؟
من يفكر أنه بعد أربع سنوات من الحراك أصبحت الفرصة سانحة ومواتية للعودة بالبلاد إلى منطق التحكم والضبط عبر أدوات مرفوضة مجتمعيا هو في العمق يقامر بأمن واستقرار هذا البلد الذي أعطى شعبه الطيب والصبور درسا في التمدن والتحضر والمسؤولية في إطار تفاعله مع الربيع الديمقراطي الذي أتى على الأخضر واليابس في عدد من الدول العربية والمغاربية
ما الذي يعنيه على سبيل المثال لا الحصر تصريح الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة مصطفى بكوري الذي جاء فيه أن تجربة هذه الحكومة قوس عابر وأن الملك غير راض على رئيس الحكومة؟
ما الذي تعنيه مطالبات حميد شباط وإدريس لشكر لرئيس الحكومة المنتخبة عن طريق صناديق الاقتراع والمعينة من طرف الملك والمنصبة من طرف البرلمان بتقديم الاستقالة؟
ما الذي يمكن فهمه من أجزاء كثيرة من حوار الياس العماري مع أخبار اليوم الذي تحدث فيه عن القصر والبراكة والكوخ وأشياء أخرى؟ هل هذه الأمور طبيعية؟
الذين يعارضون حزب العدالة والتنمية وفق نظرية المؤامرة المقصودة لذاتها لغرض في نفس يعقوب لا يستطيعون الإتيان بواقعة واحدة تؤكد أن هذا الحزب تواطؤ يوما ضد النظام أو تم استعماله من طرف جهات خارجية لضرب استقرار البلاد مند نشأته إلى غاية اليوم. هل يضحكون على ذقون الشعب المغربي بالخزعبلات والترهات السياسية؟
الحقيقة التي يعلمها المغاربة هي أن البيجيدي حزب في خدمة القصر ولا شيء يفيد العكس، ومن لا يعرف من هو عبد الكريم الخطيب، الذي يعد عراب العدالة والتنمية، عليه أن يقرأ تاريخ بلاده من الداخل والخارج لكي يعرف أصل الحكاية مند البداية إلى النهاية.
الميوعة التي تعم المشهد السياسي خلال المرحلة الراهنة مؤشر سلبي على حالة التردي الذي آل إليه الوضع الحزبي في المغرب . كما أنه دليل على هزالة مستوى من يفترض فيهم أنهم نخب سياسية في هذه البلاد للأسف الشديد.
ما نعيشه اليوم من ابتذال سياسي غير مسبوق ينم في الواقع عن وجود مخاض وتطاحن خفي تمليه ضرورة صناعة القرار يلعب فيه الفاعل السياسي الدور الممنوح له لتصريف قرارات الحيتان الكبرى وتصوراتها لطبيعة المرحلة وهذا ما اتضح جليا في معركة الدستور الذي وصفه إلياس العماري بالوثيقة الرديئة !!!
قيادة حزب العدالة والتنمية التي تتحدث عن رغبة بعض الأطراف إلى العودة لزمن التحكم تمارس التظليل الإعلامي وتكذب على المغاربة لأنها تعلم أن التحكم ثقافة وأن الذي تغير هو أسلوب التحكم وأطرافه فقط.