بديل ـ الرباط

في هذا المحيط المغلق تنمو الاستيهامات و التطيرات المتشائمة. جميع السجناء يثبتون النظر برعب مرضي على بومة، غدت بالنسبة لهم تجسيد الموت. عندما يأتي طائر الليل هذا ينعب على مسمع مريض مدنف يتوقع أن ساعة موته قد دنت، فيهرع رفاقه إليه متوجسين ليشهدوا احتضاره مادام نعيب البومة قائما، و ليروه ميتا عند ابتعاد الطائر الليلي وصمته.

في خريف العام 1982 تسع عشرة جثة دُفنت في الحفرة المشتركة. وفي ربيع 1990 وصلوا إلى سبعة وعشرين.

يبقى الرقم الصحيح لعدد المحتجزين في تزمامارت مجهولا. فالمعتقل يتألف من عدة أقسام لا اتصال بينها يُعرف بيقين أن عسكريي سجن القنيطرة قد رُحلوا إليه، لكن بين الموتى المدفونين في فناء تزمامارت ضباطا وصف ضباط لم تظهر أسماؤهم في أي سجل محكومين. لماذا أرسلوا إلى هنا، وبموجب أية إدانة؟ لا أحد يعلم. وجودهم لا يعود إلى محاولتي الإنقلاب المعروفتين. 

يقال إلن أحد وكلاء الضباط كان في نوبة حراسة ليلية على باب قصر الرباط، رأى امرأة تصل مترنحة سكرى إلى الباب فمنعها من الدخول. رُحل وكيل الضابط سريعا إلى تازمامارت.

الملازم مبارك الطويل، المُدان بتسليح طائرات إف 5 في قاعدة القنيطرة، يُشكل استثناء متميزا بين رفقائه: نُقل معهم إلى المعتقل، لكنه حظي بالخروج منه لزيارات قصيرة. الطويل متزوج من أمريكية وله منها ولد. نانسي الطويل عادت إلى الولايات المتحدة، حيث تدرس الرياضيات في نبراسكا. بناء على مراجعاتها المتتابعة، كثفت سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في الرباط اتصالاتها للحصول على إيضاحات حول مصير زوجها. في العام 1985، وقد غدا الإقتصاد المغربي تحت رحمة العراب الأمريكي، عومل مبارك الطويل بشكل يغدو فيه لائقا لإظهاره، و أُخرج من زنزانته، و أُحضر إلى الرباط، و عُرض على السفير جوزيف فرنر ريد الذي يشغل حاليا منصب رئيس البروتوكول في وزارة الخارجية الأمريكية، بعد ذلك أعيد الملازم مجددا إلى تزمامارت ليشارك زملاءه في مصيرهم. الحظوة الوحيدة التي يتمتع بها هي السماح له بتبادل الرسائل مع زوجة في كل سنة، يحضر دركي إلى السفارة الأكريكية وهو يحمل رسائل مبارك الطويل، بالمقابل يسلم مدير السجن لسجينه الرسائل الموجهة إليه من زوجته نانسي الطويل.

عايدة حشاد، الصيدلانية المرموقة، قامت بمحاولة يائسة للحصول على أخبار زوجها، الضابط الطيار المحتجز في تزمامارت. تمكنت بواسطة أصدقاء ذوي نفوذ أن تعلم في أي يوم يقوم الملك بلعب الغولف في دار السلام. اقتربت من المرج العشبي مع ابنتها هدى، البالغة من العمر خمسة عشر عاما. فسمح الحراس على الباب الخارجي للسيدتين اللتين تبدوان بمظهر بورجوازي محترم بالدخول. هرعت هدى نحو الملك و بيدها رسالة، ووصلت إليه قبل أن يلقى حراسه القبض عليها. كان الحسن يلعب مع مدعوين أجانب. فأمر بأن تُحضر إليه الفتاة و تُسأل عما تريد، وبما أن الأمر اقتصر على مسمعي عادي من أحد أفراد الحاشية، وقد جاء يقدم كتاب استرحام، اكتفي بوضع عايدة حشاد وابنتها في إقامة جبرية تحت رقابة خاصة من الشرطة.

يُتبع...