بديل ـ الرباط

يرتدي الحسن الثاني، في الصباح ثياب الغولف المُبرقشة، و بعد الظُهر الجلباب الأبيض التقليدي، و في المساء بزة كاردين. القصر يخلط القرون و الاجناس. وهو مركز سلطة رئيس دولة حديثة، وهو أيضا دار حريم كما في الأزمنة الأولى للعائلة العلوية المالكة. كل يوم، و حتى ساعة متقدمة من ليلان يجتمع فيه بلاط يضم الوزراء، و رجال الأعمال، و المهرجين، و كل يحاول ا يسير أفكار الملك، لأنه يمتلك مفاتيح المستقبل.

الملك رجل صعب، تتسلط عليه فكرة الموت، يحرص على العناية بصحته، و يستشير أشهر الأطباء الإختصاصيين في العالم قاطبة. ليس دون سبب. هو يعتقد أنه محاط بالقتلة، و يعيش في وسواس صخيرات جديدة، غضباته غير المنظورة أو المتوقعة. تنهال على أول الوزراء، كما على آخر الخدم.

لكنه في ممارساته كملك، كل واحد حوله معرض لتلقي إهاناته و قبولها و العودة لتقبيل يده ظاهرها و باطنها. روى أوفقير لأومقران ان أحد اعضاء الحكومة خلال اجتماع لمجلس الوزراء أرهق بالغضبة الملكية، فتمتم متلعثما." يا صاحب الجلالة، أنا عبدك" فصاح به الحسن لا يكفي قول هذا، بل يجب أن تكون فعلا، هكذا أفهم القيام بخدمتي". أحد الأشكال المألوفة التي يتخذها ازدراؤه هو الإنتظار الذي يفرضه على الآخرين. الملك لا يتقيد بالوقت، و بالنسبة لمغربي أمر عادي أن ينتظر مقابلته يومين أو ثلاثة أيام بعد الموعد المحدد بعد طول اختبار غدا كل فرد يعرف مدى قيمته بقياس مدى انتظاره. عرف أوفقير زوال حظوته بعد ان قضى نهارا كاملا يتلظى غيضا أمام باب مكتبه. الدليمي بدوره قضى يوما كاملا ينتظر دوره في غرفة مجاورة، لكنه لم يستمتع باجترار فقد الثقة به إذ أنه صرع مساء ذلك اليوم. حتى ملكة انكلترا و ملك اسبانيا و رئيس الجمهورية الفرنسية عانوا من عدم التزامه بالموعد، غير أن الإنتظار بالنسبة إليهم لم يتجاوز الساعتين إلا نادرا.

بالنسبة للطبع، إن لم نقل العيوب، الملك في المجمل عكس أخيه مولاي عبد الله الذي هو رجل عياش، تنعم بالحياة، يهوى النساء، يشرب و يقامر بالتأكيد، نفعي دون أدنى شك، لكنه برقة متناهية، يجرب أن يكون لطيفا مع الجميع، وطيبا مثل خبز شهي. مات قبل الأوان مخلفا لوعة لدى أفراد عائلته، و حزنا لدى جميع من عرفوه و عاشروه.

الملك محب لليل، يستيقظ متأخرا، و ينام متأخرا أيضا. في المساء، يضع جانبا حمل السلطة، و يرفه عن نفسه بصحبة مهرجين مكلفين بإضحاكه، ثم يلتحق بنسائه. في كل سنة ينتقل بين قصوره العديدة، يذهب من مكناس إلى فاس، و من مراكش إلى إفران. يقال إن القصر الذي بناه في أغادير قد فاق في روعته كل سابقيه. وهو يحشن دون انقطاع الزخارف أو يعتقد بذلك، فذوقه مروع. صنابير المياه الذهبية هي دائما بالنسبة له ذروة الفن، جنى باكار أحد الفرنسيين ثروة من تنفيذ توجيهات الملك التزينية ثم زالت الحظوة تفلس مؤسسته في مقاطعة سافوا.

يتبع..