بديل- الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

صدر قرار الحكم في 5 حزيران 1967 وسط لا مبالاة شبه عامة: اندلع العدوان الإسرائيلي المفاجئ في ذلك النهار بالذات. أخلي سبيل الموقوفين الحاضرين في القفص، باستثناء لوبيز وشوسون الذين حكم عليهما، على التوالي بالسجن مع الأعمال الشاقة ثماني وست سنوات، وحكم غيابيا على أفقير والمجرمين الأربعة المأجورين الهاربين، والشتوكي الشبحي، بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة.

حكم مبهم، غير منطقي تماما، إذا كان أفقير مذنبا، فالدليمي شريك له في جرمه أيضا، وبالعكس تبرئة الدليمي تفرغ إدانة أفقير من مضمونها، حُكم سياسي، فقد سبق التطرق كثيرا أثناء المرافعات إلى الجالية الفرنسية في المغرب التي يخشى أن تتعرض لأحداث انتقام وثأر تستتبع إدانة الدليمي.

وبمعاقبة أفقير الغائب أنقدت العدالة الفرنسية المظاهر، وحفظت ماء الوجه، وبتبرئة الدليمي صانت مستقبل العلاقات الفرنسية-المغربية. جرى للدليمي المبرأ استقبال حافل عند عودته إلى المغرب، وكافأه الحسن الثاني بتعيينه مديرا لمكتبه العسكري. تلقى أفقير المدان تقدير ملكه أيضا"لولائه الثابت لشخصنا" ورُفع إلى رتبة جنرال.

لم يؤثر الحكم على بشاشة أفقير. استمر يدعي البراءة دون أن يتنازل إلى تقديم الأدلة، مكتفيا بأن يُظهر لكل صحفي بصوت يتهدج انفعالا كلمة الشرف كـ"ضابط فرنسي".

إذا خالطت نظرة محدثة ظلال ريبة، يقترح والدموع في عينيه، أن يخلع ثيابه ليكشف عن الجروح التي أصيب بها في خدمة فرنسا. لكن أصدقاءه الحميمين يعرفون أن التراخومات التي أصيب بها منذ طفولته، مضيفا إليها الحروق الناتجة عن قاذفات اللهب الألمانية منحته استعدادا كبيرا لذرف الدموع ببراعة عند الحاجة، لأن هذا الرجل الرهيب المتوقع له نهاية شكسبيرية، وهو أيضا شخصية كوميدية إيطالية، مرن، متكيف مع الظروف، ماكر مخادع، وإلى نسبه البربري الكبير يمكن أن تُقرن الصفة التي أطلقها البابا على الكورسيكي القصير البدين:"مثل كوميدي مأساوي...".

كانت إدانته تعرضت مبدئيا إلى توقيف مباشر، إن وضع قدمه على الأرض الفرنسية، لكن موت الجنرال ديغول، وانتخاب جورج بومبيدو لرئاسة الجمهورية جنبته هذا الاحتمال.

استأنف رحلاته إلى فرنسا، سواء لأشغاله أو للترفيه عن نفسه، وأيضا لتلقي العلاج اللازم لعينيه المصابتين من قِبل أطباء ليون. وفي العام 1972 صافحه موريس شومان وزير الخارجية الفرنسية أثناء زيارة له إلى الرباط، خلال حفل استقبال ضم الرجلين، كان ذلك هو وضع الأختام على الدفن الرسمي لقضية بن بركة.

وداعا للمهدي بن بركة المناضل المغربي العالمي، الذي اعتقد أن بإمكانه إنقاذ شعبه مع ملكه، لكنه مات لأنه لم يستوعب مطلقا أن السلطة بالنسبة للحاكم لا تقبل المقاسمة أو المشاركة.

يتبع