بديل ـ الرباط

لكن هذه الإسرافات الهوجاء التي أثارت اشمئزاز مدبوح أو بوغرين لم يكن شأنها أن تزعج الدليمي. هو على كل حال يمارس الحرب ويديرها جيدا. عمله على رأس القوات المكلفة بمقاتلة البوليساريو كشفت عن خبير استراتيجي من الدرجة الأولى، هذا الرجل التي جرت حياته الوظيفية السابقة في دوائر الشرطة. 

الجيش المغربي العامل في الصحراء متفوق عدديا، و يمتلك طيرانا فعالا في حرب الصحراء. وليس أمام مغاوير البوليساريو إلا الحركة السريعة. كانوا يختارون أهدافهم، ويقتربون دون أن يُكشف أمرهم، ثم ينقضون كالصاعقة على حاميات معزولة قبل أن يختفوا في مجاهل الصحراء الفسيحة. انطلقوا من تندوف في الجزائر ، و قادت تحركات سياراتهم اللاندروفر عدة مرات، حتى حدود الأطلسي، الصحافيين المنذهلين من براعة فرسان الصحراء المُؤللين.

خطرت لأحمد الدليمي فكرة بناء جدار، نوع من خط ماجينو فوق الرمال يوقف هجمات الصحراويين. كان المشروع فرعونيا. كثيرون اعتبروه غير واقعي، فهو مفرط في الطول، لكن الملك وافق عليه، و بدأت "البلدوزرات" العمل في شهر آب 1980. على طول ستمائة كيلموتر بدأت إقامة جدار بارتفاع مترين إلى ثلاثة أمتار، تغمره حقول ألغام وشبكات أسلاك شائكة، يحمي من رأس الخنيفرة حتى بوجدور "الصحراء المفيدة" ذات المناطق المأهولة بالسكان و الحاوية على الفوسفاط. و أقيمت على مسافات منتظمة من الجدار نقاط ارتكاز محشوة بمعدات الكترونية، تتيح كشف أي رتل صحراوي مهاجم على شاشة الرادار. تنطلق الطائرات و ترسل سريعا النجدات إلى القطاعات المهددة.

برهنت الاستراتيجية الجديدة عن فعاليتها. لم يعد البوليزاريو يحتكون بالجدار. وارتفعت معنويات الجنود المغاربة الذين كانوا يعيشون في تحصيناتهم المعزولة قلقين باستمرار خشية هجمات مفاجئة من أرتال مدرعة صحراوية.

غيرت الحرب وجهها، لكن لصالح المغرب. تحول أحمد الدليمي من شخص يحتقره نظراؤه لأساليبه البوليسية القمعية إلى قائد عسكري استراتيجي شعبي في الجيش.

شعبي إلى حد يُخشى منه على الأرجح.

يًتبع...