بديل ـ الرباط

لكنهم مازالوا دون بلوغ عمق الإرهاب. فبعد وفاة آمر المعسكر تولاه نقيب اسمه بورو يساعده النقيب شفيق، وهما ينتميان إلى قوى الأمن المساعدة؛ ويشرف عليهما العقيد بن عايش، وهو شقيق الدكتور فاضل بن عايش، طبيب الملك الشخصي، الذي قُتل برشقات الرصاص نفسها التي قضت على الجنرال مدبوح.

أضيف التعذيب من الآن فصاعدا إلى الإنحباس في الظلام، وقلق الإنعزال، و البؤس الفيزيولوجي الذي يدمر الجسد ، و القنوط المخيم على الروح. مورس الضرب على مليكة ورؤوف . رؤوف لشبهه الكبير بوالده، و مليكة لأنها تحتفظ، متحدية الجميع بهامة مرفوعة.

عندما كانوا ما يزالون مجتمعين، ركزوا آمالهم على مليكة. إذ يجب ألا تُتلف قواها بالإضراب عن الطعام، في يوم ما، بالتأكيد، يمكنها أن تُحدث الملك وتحصل على العفو عنهم.
مرت السنوات، وقاربت مليكة الوصول إلى عمر أمها عندما قادتهم الحافلات المغلقة إلى أقصى الجنوب.

مريم التي ابتليت بالصرع، المحرومة من الأدوية، تعاني نوباتها من مخنق زنزانتها المصمتة. وعبد اللطيف يكبر أميا تماما، وهو يجهل كل شيء عن عالم الأحياء الذي تركه وهو في الثالثة من العمر، وعاشورا ابنة العم الطيبة تدفع ثمنا غاليا لتضامنها العائلي.

خرت فاطمة وكانت الأولى في عدم التحمل. قطعت شرايين معصميها بمقص أظافر. كانت جروحها سطحية فنجت. تبعها رؤوف بجراح أكثر عمقا . وقد تُرك ستة أيام دون عناية، وهو يتخبط بدمائه.

بعد تسع سنوات من العزلة، سمح لهم السجانون بالإجتماع ساعة واحدة يوميا. لقاءات مذعورة... حلت في تلك السنة، 1986، الذكرى الخامسة و العشرون للتتويج الملكي. إيحاء مشترك دفعهم إلى الإعتقاد بأنها ستكون سنة تحريرهم. فخاب أملهم.

جربوا عندئذ محاولة الهرب. تؤكد مليكة أنهم حفروا خلال سنة نفقا بطول واحد وعشرين مترا على عمق مترين تحت أرض السجن، وهو ينفتح على حقل قمح بعد اجتيازه سورا مضاعفا من جدارين وشبكة من الأسلاك الشائكة. من الصعب الإقتناع بروايتها. بأية أدوات تمكنوا من الحفر؟ كيف تمكنوا من ترحيل الركام؟ النفق يخفي على الأرجح تواطؤا؛ أهو وفاء من جندي قديم لذكرى أوفقير، أو من ابن جندي قديم؟ هذا ممكن، والأكثر احتمالا رشوة سجان أو عدة سجانين من قبل جهة خارجية. النظام الحسني أوتوقراطية يحدث فيها الفساد خروقا تتيح أحيانا التسرب و الخلاص من جدورها. لكن إن كانت عائلة أوفقير قد استفادت من تواطؤات خارجية بلغت فعالياتها حد شراء السجانين، فهل يُتخلى عنها بعد نجاح هروب أبنائها لمصير غير مضمون؟

في ليل 19 نيسان 1987 هربت مليكة و رؤوف وعنان وعبد اللطيف. تقرر أن تبقى الأم و ابنة عمها لتقدمها في العمر، ومريم و سكينة المريضتان. عوائق العمر و المرض تحول دون نجاح المغامرة.

هاموا على وجوههم عبر الحقول، وقد أسكرهم نسيم الليل المنعش وعطر الريف الزكي. عنان تتعثر دون انقطاع، وعبد اللطيف ابن الثامنة عشر عاما، مثل وافد من مريخ؛ ومليكة الباسلة تشجع مجموعتها الصغيرة وترفع معنوياتهم.

انتهوا إلى الإهتداء إلى طريق الدار البيضاء، أشاروا إلى شاحنة توقفت وأقلتهم على أخشاب صندوقها حيث غرقوا في نوم عميق.

يُتبع...