بديل ــ الرباط

إذا كانت المقابلات المنفردة تقتصر على أقطاب الصحافة، أو السياسة، فإن كرم الضيافة الملكية يشمل الجميع صغارا وكبارا منذ اللحظة التي يحكم فيها بجدارة انضمامهم إلى جوقة المطيبين. فرق فنيي التلفزيون الفرنسي الذين يستدعون غالبا "للإستشارة" يستضافون ببذخ، ويحتفى بهم، ويعودون برؤية جديدة عن المغرب. فكرنا في فترة من الوقت أن ننشر قائمة بضيوف فندق المأمونية في مراكش خلال السنوات الأخيرة، لكن علاوة على أن الطريقة تُعد إجراء بوليسيا من النموذج الحسني (وهي من المواضيع التي تلتزم باتخاذ احتياطات واقية من العدوى المرضية) فإن التعداد سيكون طويلا جدا رغم دلالته. يجب حدوث انقلاب سياسي غير متوقع ليكتشف الفرنسيون، وهم يشاهدون النشرة التلفازية المصورة، أن وزير داخليتهم الجديد، في الحكومة اليسارية، يصطاف مع الوزير اليميني السابق في فندق المأمونية الفخم. في فرنسا، كل شيء يباعد بين الرجلين- الآراء- الضربات الملتوية- وماهما مجتمعان على حافة المسبح الواحد (لكن لا تظنوا أنهما سيسددان فواتيرهما). سيلتقيان أيضا بجميع الشخصيات الهامة في فرنسا، مستشاري الرئيس – السابق، الذي كان الملك يناديه "يا صاحبي الأثير"، والحالي- رجال سياسة، شخصيات فنية وأدبية –على ما يقال- من أصحاب الضمائر الكبرى الفرنسيين، الذين لم يقتروا يوما في إدانة بينوشه، أو جاروزلكسي، ولم يتأخروا أبدا عن إعلان دعمهم لنلسون مانديلا- الذي نقل إلى ابراهيم السرفاتي شعلة أقدم سجين سياسي في أفريقيا- ولم يضعفوا مطلقا في التشهير بالظلم وانتهاك حقوق الإنسان، غير أن كرم الضيافة الملكية يتيح لهم تجديد قراهم بين معركتين إنسانيتين شديدتي القسوة.

كتب المبخر المتملق درُيون:"وصلت الضيافة عند الحسن الثاني إلى درجة من الكمال غدت فيها فنا بحد ذاتها، فن اجتذاب القلوب".

أهي إفساد؟ الكلمة كبيرة على مثل هذه الأشياء الصغيرة. معظم المدعوين لم يُدانوا في نادي البحر المتوسط، إن بعضهم اعتراف بجميل ملء المعدة، ومنهم ذلك الوزير السابق الذي لم يشاهده أحد في صلاة الجمعة، ونادرا ما يحضر قداس الأحد، لكنه أرسل تبرعه الصغير لبناء مسجد الدار البيضاء الكبير ذاكرا لأصدقائه:"بعد كل هذه الدعوات الملكية، هذا أقل..." إنها بالأحرى إغواء، إغواء قديم للجمهوريين على البذخ الملكي الذي يدفعهم للتزاحم عندما أراد الملك دعوتهم من أجل احتفالات ألف ليلة وليلة التي أقامها لتزويج بناته، وأجلس جنبا إلى جنب على حلبة تصوير عدسة التلفاز الشهيرة "ساعة الحقيقة"، بتاريخ 17 كانون الأول 1989، رجل اليسار شارل هرنو ورجل اليمين شارل باسكوا، وقد دُعما بخمسة وزراء فرنسيين آخرين، منهم اثنان من الكومة الحالية ومجموعة من المتملقين الذين أقلتهم طائرة البوينغ الملكية. لم يكن غائبا عن المشهد لسبب غير معروف إلا موريس دريون المداح الرسمي لعبقري الأطلس. أبلغ الصحافيون قبل البث التلفازي أن الملك لن يسمح بأي استفسار عن حقوق الإنسان، غير أنهم طُمئنوا إلى أن عدا من القضايا الحساسة هي في طريقها إلى الحل، وأن جدلا كلاميا، دون جدوى، لا يمكن إلا أن يعقد الأمور، ووجب انتظار أسئلة مشاهدي البث التلفازي ليستثار موضوع تقارير المنظمات الإنسانية المفحمة للسلطة. بجرأة سفيهة أجاب الملك بعبارة واحدة تسخر من التعليل المنطقي ومن الجمهور:"لو أنني أعلم أن واحدا بالمئة مما كتب في هذه التقارير، والتي لم أقرأها مطلقا، ثابت لأمكنني أن أؤكد لكم أنه لن يغمض لي جفن قبل أن أفعل كل ما يجب لإيقافه".

يُتبع...