بديل ـ الرباط

نظموا أنفسهم ليبقوا على قيد الحياة.

التمزقات الداخلية لم تُؤثر على تضامنهم تجاه إدارة السجون. الضغط المستمر جعلهم يحصلون على شروط حياة نادرة في السجون المغربية: صحف، و مذياع، و تلفاز، وزيادات عائلية منفردة، بل وانفراد مع الزوجة (لكن المتزوجين نادرون بينهم) يتم خلف غطاء يُنشر عبر الممر. في ذات الوقت توافقت الحياة المشتركة وفق الأحداث و المفاجآت، وسادت اللغة الدارجة بطُرفها الخليعة، ورفع الحظر عن الممنوعات بما فيها العادة السرية؛ وانتشرت تجارت التهريب مع مساجين الحق العام. قامت بقالية تعاونية دون أن يبالي مؤسسوها بنقمة بقية المتمسكين بالإستقامة الذين استنكروا هطا الإنبثتق الفاضح للقطاع الخاص.

بدأ اللعب بالسلع المحتكرة.

كان معظم الجبهويين طلابا أو معلمين شبانا، وقد انصرفوا إلى دراستهم في السجن بجد واجتهاد. تعددت المحاضرات من جميع الإختصاصات في داخل السجن. الجامعيون الأكثر تقدما تابعوا دراستهم بالمراسلة مع الخارج، وقامت علاقات وثيقة مع الجامعات الفرنسية التي وجهت مناهج طلابها المعتقلين في الباستيل النائي. تم الحصول على شهادتي بكالوريا و واحد وثلاثين إجازة جامعية و ستة و عشرين دبلوم دراسات حلقة ثالثة في سجن القنيطرة. قصص و قصائد، وروايات، وبحوث خرجت من السجن في أكياس الزائرين. كما تجلت بعض مواهب فنية في الرسم.

تراكمت السنوات.

لم ينعدم التضامن. تبنت لجنة العفو الدولية قضية الجبهويين، فهم سجناء رأي. وفي باريس تشكلت لجان مكافحة التعذيب والقمع في المغرب، ومارست لصالحهم صراعا مستمرا دعمتهم في الرابطة الدولية لحقوق الإنسان، وجميع المنظمات الإنسانية و التقدمية. هذه الأوساط لا تكتفي بالإستنكار و لا تقتنع بالأكاذيب: كيف يمكن الإحتفاظ في السجن طوال هذه المدة بشبان لا يلامون إلا على توزيع مناشير.

هذا بالطبع منتهى اللامنطق. لكن في المنطق الحسني الفاسد، تقوم العبرة على إثبات إمكان ضياع زهرة الشباب في السجن لمجرد توزيع مناشيرز براءة المساجين تشكل كل المثالية لعقوبتهم.

منذ العام 1981، و الملك يُسأل بانتظام من قبل صحافيين فرنسيين عن مساجين القنيطرة فيلجأ بشكل منهجي إلى ذريعة الألزاس و اللورين "ماذا كنتم ستفعلون، أنتم الآخرون، لو أن فرنسيين صرحوا بأن الألزاس و اللورين ليست فرنسية؟ كنتم ستطلقون عليهم الرصاص بالتأكيد" كذب و ترهات فظة. موقف الجبهيين من الصحراء لم يثر لا في لائحة الإتهام ولا في القرار الذي أدانهم. بكل بساطة لم يلاحقوا بهذه التهمة.

يُتبع...