بديل ـ الرباط

كان هذا اعترافا بوجوب مراجعة قاسية. ظهر الشبان الذين عوقبوا بالسجن المؤبد أو لثلاثين أو عشرين أو حتى عشر سنوات خطؤهم في المغامرة بقسم كبير من حياتهم من أجل منظمة تعمل وفق معايير ضعيفة الديموقراطية، منغلقة على نفسها دون أن تعي جيدا الحقيقة المغربية، كما أن سلوكها في مواجهة العنف البوليسي لم يكن دائما على مستوى الشروط المحددة في كتب المبادء الثورية.

لم تسر الأمور دون فظاظة أو ضربات قاسية، فقد قوطع اثنان من الكوادر الرافضة "إلى الأمام" بعد أن سرت إشاعة عن ممارسة نسيبات لهما الدعارة. انطلقت من زنزانة إلى أخرى، اللعنات و الإحتجاجات، وفي نهاية هذه السيرورة المؤلمة التي امتدت حتى نهاية العام 1979، فإن الغالبية العظمى من الجبهويين فقدت إيمانها بالحركة ولم تعد تعترف بانتمائها إليها. بقي عشرة رفقاء على ولائهم، لكنهم توزعوا على ثلاثة اتجاهات.

خلال سنوات، اتبع اليساريون المغاربة، بالإجمال، طريق رفاقهم الأوروبيين نفسه. لكن بينما هؤلاء يرتعدون في مجتمع مُرحب بالإبن الضال، مغدق عليه من مكافآت سلواه؛ فإن أولئك برزحون في وحشة زنزانة السجن. كانت المحنة رهيبة. فهم يعانون، باستثناء القلة منهم، حزنا قريبا من الكآبة المرضية، يسمونها "تغريق"، هكذا يقولون عن أنغسهم "المُغرقين". إنهم يتامى حلمهم أو مثلهم الأعلى. يجب أن يحملوا عذاب قضية فقدوا الإيمان بها. تستقبل العائلات بحذر هذا التطور. إنه ليس جحودا بالتأكيد. فقد تعودت العائلات أن تأتي لزيارة السجناء الأبطال، لكن هؤلاء السجناء تخلوا عن هذه البطولة. لم يعودوا يريدون أن يكونوا أبناء الشعب الأخيار، طليعة الطبقة العاملة المغربية. لقد أنزلوا هذا الحِمل الثقيل عن أكتافهم. إنهم يتمنون بكل بساطة العيش فقط.

في 18 تموز 1980 انتشر النبأ في السجن يعلن أن التحرير قادم. أخلي سبيل خمسة عشر موقوفا فقط في اليوم التالي، لكن مدير السجن أعلن أن دور الباقين سيأتي قريبا. أعيدت الكتب المعارة إلى المكتبة. تم تبادل العناوين. ولبث الجميع بالإنتظار. مرت الأيام و الأسابيع و الأشهر: فحل الملل محل الأمل.

تضاعف التغريق.

التعسف أصبح ما يمكن تحمله وخاصة بالنسبة للشبان المثقفين الذين وُهبوا منطقا سليما. من بين الخمسة عشر رفيقا الذين أخلي سبيلهم، يوجد كوادر من "إلى الأمام": لماذا يُحرر مسؤولون و يبقى في السجن متعاطفون بسطاء. لكن الجبهيين يجب أن يكتشفوا، مثل كثيرين غيرهم من قبل، أن لا مكان في النظام الحسني للإجراءات المنطقية، و يجب أن يعلموا مع مرور الزمن أنهم في يد الملك مثل حبات رمل يمسك بها أو يتركها تتساقط على هوى نزوته.

يُتبع ...