بديل ـ الرباط

بالنسبة لمقاومي جيش التحرير القومي و مناضليه لا يمكن تصور الإستقلال كاملا إلا بتحرير جميع الأراضي من الإستعمار الأجنبي، وقد فضل خمسة آلاف من هؤلاء المقاومين و المناضلين، بدلا من الإنصهار في القوات المسلحة الملكية المشكلة للجيش المغربي الناشئ. أن يتحولوا إلى الجنوب لمحاربة المحتل الإسباني، و الصراع جنبا إلى جنب مع القبائل الموحدة الإرادة في رفع نير المحتل، لو كان العرش دعمهم، هل كان لحماسهم أن ينتهي إلى الفشل؟ فرانكو يسود على الصحراء، لكنه بعد أن اضطر للجلاء عن الريف شمال المغرب، هل يجازف بدفع جيشه إلى معركة مشكوك في بنتائجها بعيدا عن قواعده، في منطقة لم يكن سلطانه عليها إلا متأرجحا ولا يعود بفائدة كبيرة، خاصة و ان رياح كنس الإستعمار و إزالته تعصف في العالم؟ لم تكن الفكرة واردة لدى العرش المغربي، فمحمد الخامس و ابنه البكر يريان أن توطيد سلتهما الهشة عقب الإستقلال لها الافضلية على تحرير الصحراء؛ بل إنهم يعتبران مجاهدي الجنوب متمردين يزدادون قوة و يجب كبح جماحهم، و هذا هو هدف الحملة الفرنسية _ الإسبانية المسماة أوراغان-إيكوفين التي نُفذت بتعاون تام مع القوى المسلحة الملكية المغربية. فبينما كانت القبائل الصحراوية تتشتت تحت وقع القنابل. كان جيش الجنوب يُجرد من أسلحته، و القمع الإسباني يزداد ضراوة، كافأ فرانكو التعاون الملكي المغربي بالتخلي له عن منطقة طرفاية.

لن تنسى القبائل الصحراوية هذا أبدا.

اقتنع العرش فيما بعد، بالرغم من بعض الإيماءات و الحركات الدبلوماسية بقيام موريتانيا مستقلة، في الحقيقة كان من الصعب دعم سياسة معاكسة. فموريتانيا المندمجة سابقا بافريقيا الغربية الفرنسية، اتبعت حركة تحرير الإمبراطورية الفرنسية: استقلال داخلي في العام 1956، إعلان جمهورية اسلامية عضو في التجمع في 1958 ، استقلال تام 1960. كان اعتراف الموريتانيين أنهم رعايا الملكية الشريفية يتطلب حربا، غير أن موريتانيا كانت أكثر من صحراء بعيدة في الذاكرة الجمعية المغربية، فهي على مدى تاريخ المملكة الجنوب الكبير الذي ينهض وفق موجات متتابعة، قبائله المحاربة تطرح السلالات الملكية الضعيفة، المرابطون انطلقوا من بقعة رملية في موريتانيا، و مشوا نحو الشمال في القرن الحادي عشر بقيادة رئيسهم يوسف بن تاشفين، و أسسوا مدينة مراكش، حيث يمكن أن نرى اليوم قبره قريبا من ساحة جامع الفنا و مسجد الكتبية الذي عمل بيديه على إنشائه. متبعا نهج النبي، عمل هذا الرجل العضيم خلال همسة و ثلاثين عاما على توحيد المغرب لأول مرة، و أنشأ امبراطورية امتدت من ضفاف نهر السينغال حتى مشارف مدريد، و ضمت جبال القبائل، لم تتمكن بعده السلالات المغربية الحاكمة أن تمارس سيادتها على أرض بمثل هذه السمة.

و بقبول موريتانيا مستقلة، انتزع من تاريخ المغرب و شعبه، بطريقة مؤسفة، صفحة براقة من مجد يعتز به.

من اختار الحسن الثاني لتمثيله في تقديم التهانئ لرئيس موريتانيا المستقلة ؟ علال الفاسي بالتأكيد، الوطني الأكثر تصلبا الذي رضي أن يتنكر لمبادئه، فأوامر الملك لا تُناقش، و الحسن لا يحب إلا الرجال المذعنين المنكسري الشوكة.