بديل ـــ الرباط

مثل جميع الناس، ارتعشت ماما قسوس، فصداقتها القديمة المتواطئة مع فاطمة ليست شيئا أمام رعبها من انتقام الملك إن علم أنها آوت الموبوئين. نصحتهم عب الهاتف بعد الإقتراب من منزلها: هي مراقبة. انتهى بهم الأمر، وقد أضناهم التعب إلى فندق أهلا. وهو قصر فخم على نحو عشرة كيلومترات من طنجة باتجاه طريق الرباط. مالكه صلاح بلفريج ينتمي إلى عائلة أحمد بلفريج القوية، و رب العائلة أحد أوائل قادة حزب الإستقلال، ووزير سابق للشؤون الخارجية (غير أن ابنه أنيس حكم عليه بالسجن خمسة عشر عاما في آب 1973 في أول قضية للجبهويين، ثم أطلق سراحه في العام 1977).

أبناء أوفقير الأربعة ليس باستطاعتهم، طبعا، أن يحجزوا غرفا بأسمائهم، فانتشروا في الحديقة الواسعة وسط السائحين نزلاء الفندق، وبين أشجار الأوكاليبتوس.

تخلى عنهم الناس، ورفضتهم السفراء الوحيدة التي طلبوا اللجوء إليها. فلم يعُد أمامهم إلا اللجوء إلى الملاذ الأخير الذي يُذم باستمرار، وعن حق أحيانا، لكنه يبقى في نهاية النهايات أحد المراجع ألأكثر ندرة في عدم الإنحناء أمام رؤساء الدول و الملوك: الإعلام.

اتصلت مليكة بميدي1، محطة إذاعية بطنجة، فنصحوها بأن تتوجه إلى إذاعة فرنسا العالمية. كان ذلك يوم الأربعاء 22 نيسان. وقد مضى على هروبهم خمسة أيامز تمكنوا من عدم الوقوع في شباك الشرطة التي تنصب لهم الحواجز في عموم البلاد لسفرهم في القطار. اعتقدت شرطة ادريس البصري أنهم على الطرقات أو مختبؤون في الرباط. وأوقف عشرات الأشخاص من أصدقاء العائلة.

رئيس تحرير راديو فرنسا العالمي سجل نداء مليكة. بعد استشارة صحافية قرر ألا يذيع إلا قسما منه، حتى لا يُغلق الباب أمام بادرة عفو من الملك.

بعد أن سردت مليكة المحنة الطويلة التي تعرضت لها عائلتها، عبرت عن عدم فهمها لأسبابها بشكل يصعب عدم مشاركتها فيه، قالت بصوت يتقطع تأوها:" لم نفعل شيئا، نحن أبرياء، أنا ... لا أفهم. خمسة عشر عاما، خمسة عشر عاما من الإضدهاد كامل. نحن أبرياء قطعا... لسنا مسؤولين عما حدث، لم نرتكب أية جريمة أو خطأ، لم نكن في العمر الذي نشارك فيه بمثل ذلك حتى في الرأي، أو في التفكير السياسي.

"هل تظنون أن أولادا نقلوا بعد موت والدهم إلى معسكر اعتقال يمكن أن يكونوا مسؤولين عن أي شيء مما حدث؟"

نتوسل إليكم .."

"دُفعنا إلى قرارنا الأخير في الهرب، لأن العقيد بن عايش عاش بحق انتقامه، ووضع جدارا من الصمت بيننا و بين جلالة الملك".

"من أجل هذا نتوسل إلى الملك لإنصافنا وتحريرنا. إننا نتضرع لجلالته ونناشده كُرمى لله، ولأولده".

نداء مثير للشفقة، ومرافعة اتهام عنيدة لم يُنطق بمثلها من قبل ضد الحسن الثاني لأن مليكة، وهي الأولى من مجموعة كبيرة، حتى في مداراتها للمستقبل، ولملك يجهل ما عانوه من عذاب خلال خمسة عشر عاما، تعرف جيدا أن ما من مغربي يتعاطف معهم دون الموافقة الملكية.

يُتبع...