بديل- الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.
وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

لم يُشاهد الملك إلا عند الساعة الواحدة بعد الظهر، وقد أظهر استياءه عندما لاحظ أن مدعويه لم ينتظروه ليبدؤوا بالتزاحم على الموائد، بالرغم من أن رئيس التشريفات نبه للمرة الثالثة في مكبر الصوت إلى وجوب انتظار قدوم الملك لتناول الطعام، بعكس الجنرال مدبوح الذي أمر النُذُل بملء الأطباق للمدعوين. لوحظ منذ بداية الاحتفال أنه يستعجل المراحل دون معرفة السبب. غير أن مهامه الرسمية لم تفقده الإحساس بالتقدير العائلي: شوهد متوجها إلى المرشال مزيان، وقد خشي أن تتعبه أشعة الشمس اللاهبة وزحام الحفل، ليصحَبه إلى إحدى الفيلات حيث يمكنه، وهو الطاعن في السن، الاستراحة فيها.

أدهشت فخامة الموائد المدعوين، جبال من القرشيات البحرية والقريدس، وأكداس من أسماك الصومون، والكافيار بالمغارف، والفواكه وحلويات و أشربة متنوعة.

عشرات الخراف تدور على أسياخ الشواء، بينما يقوم الطهاة بتحضير المشهيات، وتقديم المشروبات غير الكحولية والشاي على الموائد، غير أن هواة الويسكي و الشامبانيا يمكنهم أن يغبوا منها ما يشاؤون في خيمة نُصبت خارج حرم القصر قريبا من من ملعب الغولف حتى لا يسيئوا إلى مشاعر العلماء، حراس الشريعة الإسلامية.

أبعد الحسن الثاني بإشارة من يده المدعوين المتربعين قريبا من خيمته المالكية وجلس وحيدا إلى المائدة الخاصة به، وغير بعيد عنه مائدة كُبرى ضمت الضيوف المتميزين: الحبيب بورقيبة الابن، الأمير مولاي عبد الله شقيق الملك، أحمد العراقي الوزير الأول، إدريس السلاوي مدير المكتب الملكي، لويس جوكس الوزير الفرنسي السابق، والطبيبين الأستاذين تورين ودي جين.

في الساعة 14والدقيقة 8 سُمعت فرقعة انفجارات.

فكر كثيرون أن أسهاما نارية قد أطلقت، ففي كل عيد ميلاد للملك تجري بعض التسليات للترفيه عن المدعوين. منذ سنتين جرت ألعاب فروسية رائعة وفي العام الماضي تم إنزال مظليين.

لكن أي معنى للأسهم النارية في سماء صافية زرقاء؟ إضافة لعدم ظهور آثار أي سهم في الفضاء، فكر بعضهم بدعاية مصدرها الأمير مولاي عبد الله"صاحب السمو 51%" المشهور بروحه المرحة. وصل أحد الرجال من خيمة الويسكي والشامبانيا، واجتاز الباب الصغير الفاصل بين ملعب الغولف والمصطبة، قام ببعض خطوات ثم انهار، إنه موريس بريه المهندس الزراعي، عضو مكتب وزير التعاون الفرنسي، ظهر خلفه مجموعة من نحو ثلاثين مدعواً يمرون بدورهم من الباب الصغير وقد انتابهم الذعر، وقام أحد المرافقين بإغلاقه خلفهم.

بقي الملك حتى تلك اللحظة محافظا على هدوئه، لكنه نهض عندما رأى موريس بريه ينهار أرضا، وصاح:"لكن من أعطى الأمر بإطلاق النار؟"

كانت طلقات الرشيشات تكنس ملعب الغولف، وتطايرت رمانات يدوية من فوق الجدار، سقط إحداها قرب الخيمة الملكية، فتناولها الحبيب بورقيبة الابن قبل أن تنفجر ورماها بعيدا، غير أن لويس جوكس أشار له مخاطبا بكل رباطة جأش: أخشى أن تكون قد أوصلتها إلى وسط الفرقة الموسيقية؟

بينما كان الملك يُقاد باتجاه قاعة العرش، والقتلى والجرحى يتساقطون، وكان المدعوون المذعورون، وبعضهم يتخبطون في المسبح عراة إلا من سروال سباحة، يفرون زرافات ووحدانا يبحثون بتهيج عن مخرج، توجه معظمهم إلى شاطئ المحيط، لكنه كان محاصرا بالجنود المسلحين، ومثل ذلك ملعب الغولف، الصخيرات بكامله مغلق، والمذبحة يمكن أن تبدأ.

في شهر نيسان الفائت، أرسل الحسن الثاني الجنرال مدبوح إلى الولايات المتحدة ليحضر للزيارة التي يزمع الملك القيام بها إليها.

كان على مدبوح أن يتعرض لقضية القواعد العسكرية الأمريكية الشائكة، وهي قواعد تنازلت عنها فرنسا إلى الولايات المتحدة دون أي نص ناظم لوجودها أو محدد لمدة بقائها.

واشنطن تريد الخروج من هذا الوضع الضبابي، وخاصة من الناحية المالية، فوزارة الخزانة الأمريكية لا تعرف على أي بند في الموازنة تقيد أجرة القواعد المسددة مباشرة إلى خزينة الملك. والوضع من وجهة النظر غير الحسنية لا يُطاق قانونياً.

يتبع..