بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟
"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.
وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

قرر جاكبنوا-ميشن ألا يذهب لحفل الاستقبال الذي أقامه الملك في 10تموز في الصخيرات بمناسبة عيد ميلاده الثاني والأربعين. وميشن مؤلف كتاب هام بعنوان تاريخ الجيش الألماني، وسكريتير الدولة في حكومة فيشي، موالي للتعاون إلى أبعد حد، حُكم عليه بالإعدام بعد التحرير، ثم اعفي عنه، وانصرف منذ خروجه من السجن إلى كتابة سير حياة كبار الرجال في العالم العربي. تلقى لبنه المتبنى هاسين ضربة بعصا غولف على وجهه من لاعب أخرق، فأصيب بجرح بليغ اضطره أن يلازم مع والده جناح إقامتهما الفخم في الرباط.
كان بنوا- ميش مدعوا على العشاء، مساء التاسع من الشهر، عند صديقه أحمد البناني مدير التشريفات الملكية السابق، وأخبره عن نيته بعدم الحضور، اكفهر وجه البناني وقال له" لا تغلط، أخشى أن يغتاظ الملك من غيابك. في بلادنا تعتبر دعوات الملك أوامر يجب تنفيذها".
يعود الرفض الوحيد للدعوى الملكية في الستينيات، وقد تم من قبل الحاج بن العربي العلوي. وهو سليل عائلة فاسية كبيرة، ويتمتع بشهرة دائعة الصيت في التمسك بأهداب الأخلاق والدين، جعلته ينظر إلى تقاليد القصر وعاداته نظرة عدم رضى دفعته إلى أن يرفض الدعوى الملكية بذريعة كبر سنه، اضطر بعدها أن يلازم منزله ولا يخرج منه حتى موته كي لا تكون ذريعته موضع جدل.
اقترح البناني تسوية على بنوا-ميشن:الذهاب في وقت مبكر إلى الصخيرات، يحي الملك، ويطلب السماح له بالانسحاب، لكن عندما وصل الكاتب في الساعة العاشرة إلى مكان الاستقبال علم أن الملك لم يشارك في مباراة الغولف التي جرت ذلك الصباح، ولا يُعرف مكان وجوده، ونقل إليه الجنرال مولاي حفيظ مدير التشريفات أن الملك يرغب في التكلم معه بعد انتهاء حفل الغداء. فقرر بنوا-ميشن أن يرجع إلى الرباط ثم يعيد الكرة بعد الظهر إلى الصخيرات فالمسافة لا تتجاوز سبعة وعشرين كيلومترا.
وجد ابنه الجريح في حالة حسنة، فاطمأن وعاد أدراجه عند الظهر متجها إلى الصخيرات. أدرك سائقه قافلة شاحنات ملأ بالجنود، وجد صعوبة في تجاوزها، دُهش بنوا-ميشن لمظهر الجنود المتوتر، وعيونهم المحدقة. ولاحظ أن أمشاط الرصاص مثبتة في مواضع تلقيم الرشاشات، وهو أمر غير مألوف في المناورات، وجه التحية بيده لجنود إحدى الشاحنات، فلم يلق أي جواب. عاد إلى ذاكرته مشهد جرى منذ أربعة عشر عاما: الانقلاب ضد فيصل الثاني، مل العراق، انتابته الأفكار السوداء، وطلب من سائقه أن يضاعف السرعته للوصول إلى الصخيرات، وفي نيته أن ينذر الملك بأن قافلة عسكرية تثير الشبهات في طريقها إلى القصر. كانت فرقة موسيقية مصرية تعزف ألحانا فاترة، ونحو ألف مدعو يتزاحمون أمام موائد الطعام. الملك يجلس وحيدا تحت مظلة تحميه من الشمس وهو يتناول غداءه وفقاً للأصول البروتوكولية المتبعة. توجه بنوا-ميشن نحوه، غير أن خادمين اعترضا طريقه: لا يزعج جلالته وهو على المائدة. بحث الكاتب عبثا عن مدير التشريفات، فلم يعثر عليه. انتابته الحيرة، ثم غلب جو المرح السائد. تساءل إن كان لريبته مبرر، وفكر بالسخرية التي قد يلقاها إن ركن لظنونه السوداء ووجه إنذاراً كاذباً.
بعد كل حساب المغرب ليس العراق.
يمتد النطاق الملكي في الصخيرات على طول ثلاثة كيلوميترات محاذيا الشاطئ، هو ليس قصرا بالمعنى الحقيقي، إنما سلسلة من البيوت والفيلات يسكنها أبناء الملك، وخدمه وحراسه،الخ...تنفتح قاعة العرش على مسبح واسع، ومن الخلف في مبنى آخر تقع الأجنحة الخاصة بالملك. في جهة هناك ملعب غولف من ثمانية عشر ثقبا يمتد على طول طريق الرباط، وفي الجهة الأخرى المحيط الأطلسي. وأشجار الصنوبر والميموزا والأوكاليبتوس تعطر الأنسام البحرية.