بديل الرباط

"زمرة تافهة" قال الحسن بازدراء عن متآمري الصخيرات. غير أن خمسة جنرالات اشتركوا في محاولة الانقلاب، و هم يشرفون على المناطق العسكرية الرئيسية (كما ضرع أربعة ىخرون في الصخيرات، ففقد الجيش المغربي في ثلاثة أيام تسعة من جنرالاته الخمسة عشر، لم تعرف أية حرب، مهما بلغت حدتها، مثل هذه النسبة من الخسائر). الأمر المقلق للملك كان على الأرجح، اللامبالاة الغربية للثكنات في الفترة التي سقطت فيها الإذاعة بين أيدي المتمردين، و أعلنت نبأ وفاة الملك، و قيام الجمهورية، لم تعبر أية وحدة عسكرية تلقائيا عن ولائها لولي العهد. و من أجل الإنقضاض على الطلاب الضباط الذين احتلوا المباني العامة في الرباط و اعتصموا فيها، لم يعتمد أوفقير إلا على مفارز الأمن الخفيفة التي سبق له تشكيلها، و على المظليين.

 بعد "الضربة الصاعقة في الصخيرات"، كما سمتها الصحافة العالمية، اهتزت، على الأقل، الدعامة الرئيسية للعرش.

كانت المفاجأة عامة بالنسبة لجميع المراقبين. فولاء الجيش هو إحدى المسلمات النادرة التي لم يتطرق إليها الشك يوما في السياسة المغربية. بن بركة وحده في حديث صحافي أدلى به لجريدة الأهرام، تعرض قبل بضعة أيام من اختطافه، لاحتمال قيام الجيش بانقلاب عسكري، لكن إنذاره بدا غير قابل للتصديق، حتى أن أحدا، لم ينتبه إليه. لكن هل أخذ الملك نفسه حذره؟ صحيح أن زعيم المعارضة توقع تدخل الجيش للحيلولة دون تقارب بين القوى الشعبية و القصر، لكن الحسن الثاني يعلم تمام العلم أن لا حظ لقيام مثل التقارب لأنه لا يريد.
في الأساس، تحليل بن بركة مشكوك في صحته، و بالنسبة إليه، فإن ماضي قادة الجيش، و أوفقير على رأسهم، يعيق المستقبل و التحديث:"الجيش المغربي عقبة أي تطور ديموقراطي في بلادنا، و بالأحرى هو ضد كل محاولة ثورية. فالجيش المغربي مختلف عن كل الجيوش العربية الأخرى. إنه جيش محترف، لم يُؤسس للخدمة الوطنية. إضافة إلى أن بعض عناصره الموجهة. على المستوى الأعلى في قيادته ذوو ماض مشبوه: أُعدوا و دُربوا، و خدموا، و تميزوا، و كوفئوا، و رفعوا في حروب الإمبراطورية الفرنسية الإستعمارية، التي خاضت آخر معاركها في ديان بيان فو، و الجزائر. ولاة دولة المغرب المستقلة لم تغير رأي هذه العناصر حول كفاح الشعوب". توقع بن بركة أنهم من أجل المحافظة على امتيازاتهم، و تحالفاتهم الطبقية، و تواطؤاتهم النفعية مع الإستعمار الجديد،" يمكن أن يوجدوا في وضع مماثل لذلك الذي قادهم إلى محاولة الإنقلاب على الملك و خلعه عن العرش". كان هذا دون شك تعميما على كامل كوادر الجيش العليا لرأيه في أوفقير و نفوره الشخصي منه – وهو نفور حقيقي غدا أخيرا عداء قاتلا له.
الحقيقة أن الهزة الأولى لم تأت من مجموعة قدماء الجيش الفرنسي، إنما من الضباط الشبان الذين كان لهم من انقلاب القذافي، الذي اقتلع السلطة من يدي الملك العجوز إدريس الضعيفتين، قدوة. غير ان بدء الهزة، المثبت، يبقى محاطا بالغموض. ففي بداية العام 1970، قبل ثمانية عشر شهرا من الصخيرات، أشيع أن خمسين ضابطا طيارا أعدموا في قضية أحيطت بالكتمان الشديد. ذكرت الإشاعة أنها مؤامرة كشف عنها قائد القوى الجوية الجنرال نعميشي الذي كان أحد الأوائل الذين قتلوا على يد أبابو في الصخيرات.أدت إجراءات الردع إلى إقالة الجنرال ادريس بن عمار قائد اللواء الذي أراد إجراء محاكمة عسكرية للمتمردين. و غداة مذبحة الصخيرات، نشر الصحافي المصري هيكل، أنه خلال زيارة للرباط، في العام 1969، اقتيد ليلا، في سرية كبيرة، إلى اجتماع خفي شارك فيه بعض الضباط؛ و بعد أن استمع إليهم خلال ثلاث ساعات وعدهم بنسيان أسمائهم ووجوههم.

 

يتبع...