بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

(الحلقة  الثالثة عشر)

لم يتخل مقاومو المناطق الجبلية والخلايا السرية المدنية عن أسلحتهم بعد عودة السلطان، ووجب على المفاوضات مع فرنسا أن توضح مضمون الصيغة الخفية التي أخرجها الحاوي إدغار فور رئيس الوزراء من قبعته"الاستقلال ضمن الترابط".

تابع المقاومون المرتابون كفاحهم للضغط على سير المحادثات. تم الاستقلال في 2 آذار 1956، ووجد المقاومون صفوفهم تتضخم بآلاف الخيالة من القوم الذين حرموا من رؤسائهم الفرنسيين فانتقلوا إلى صفوف المتمردين الجبليين بأسلحتهم وأمتعتهم. وفي المدن تحولت بعض الزمر الإرهابية إلى اللصوصية وقطع الطرقات بكل بساطة، وهكذا لم تعد المقاومة المغربية إذن بعد خروجها من معركة الاستقلال أفضل حالا منها في السابق، ولم تتوصل لتشكيل مجموعة متناسقة ملائمة لتسيير الأمور.

ماذا يريد المقاومون الحقوقيون؟ إنهم مخلصون للعرش، لكنهم يرغبون بإصلاحات عميقة، بالنسبة لبعضهم، المتضامنين مع الثورة الجزائرية، لا يمكن للكفاح أن ينتهي إلا بتحرر المغرب كله، وهم يعنون بالقتال إلى جانب الأخوة الجزائريين. بالنسبة للجميع لا يمكن للكفاح أن ينتهي إلا عندما تتخلص آخر قطعة مغربية من النير الأجنبي. والحال كما يقول بحق الحسن الثاني:"مصيبة المغرب أنه خاضع لمستعمرين".

انسحبت فرنسا وبقيت اسبانيا تحتفظ ببعض المدن المحصورة: حصون سبتة ومليلية في الشمال، وإيفني وطرفايا في الجنوب، وخاصة الصحراء الغربية التي تسميها الساقية الحمراء.
كان حزب الاستقلال غائبا بصفته السياسية عن الكفاح المسلح بسبب سجن أو نفي قادته، ولم يتمكن أبدا من السيطرة على المقاومة رغم أن عددا من مجاهديه اشتهروا بصفتهم الفردية في ذلك الكفاح.

لم يكن له في اللجنة التنفيذية للمجلس الوطني للمقاومة إلا ممثل واحد، لكن علال الفاسي، الزعيم الموهوب، المقيم في المنفى كان يطالب صراحة وبصوت عال بالمقاومة، وقد تطابق معها. لكن الورجوازيين الصغار والمتوسطين الذين يشكلون معظم فرقه الحزبية كانوا ينظرون بقلق إلى هذه العصابات غير المتجانسة التي تجوب البلاد.
أما السلطان فقد كان عاجزا تماما أمامها، ولا يستطيع التساهل معها خشية منها على عرشه. غير أن القوة العسكرية، والتوظيف، والقتل، صفت، خلال بضع سنوات المقاومة.

في 14 أيار 1956 أُنشئت القوى الملكية المسلحة ورمز إليها بالأحرفF A R وأطلق علي تشكيلها في الإعلام اسم فاريزاسيون ودُعي كل زعيم يمتثل لأمره مئة شخص عل الأقل إلى الانتساب إلى القوى الملكية وسمي ضابطا وعُدّ أتباعه جنودا، ثم فُتح باب التطوع فانضم إلى تلك القوى عشرة آلاف رجل دفعة واحدة. كما أن كثيرين من المقاومين ارتضوا على مر الأشهر أن يتخلوا عن سلاحهم بعد أن عُرض عليهم التوظّيف في المدن، وخاصة في دوائر الشرطة والأمن العام، كما قدمت تسهيلات اقتصادية لمن والى النظام من المقاومين وأراد ممارسة الأعمال الحرة.

أخيرا فإن الأحزاب وعلى رأسها حزب "الاستقلال" تنافست على ضم النخبة من المقاومين ممن مارسوا محاربة المستعمر فعلا، ومنحهم ميزات بموجب بطاقات انتساب أشير فيها إلى صفة مجاهد.

في نهاية هذه الدوامة المتضخمة، تجاوز عدد المقاومين الحد ووصل إلى ستين ألفا، لكن هذا شمل كل الأزمنة وكل أرجاء البلاد. أما من بقي منهم متمردا، وخارج حظيرة الولاء فقد لوحق وقتل ببرود. بينما كانت تدور حرب الاستنزاف هذه حيث تحالف فيها العرش وحزب الاستقلال، بشكل غير رسمي، بدأت معركة في جبهة معكوسة يتنازع فيها الحليفان على التحكم بالسلطة.

توقع قادة حزب الاستقلال من السلطان أن يكون عاهلا دستوريا ذا امتيازات محدودة. لكن لفرط اعتمادهم عليه في مجابهة فرنسا مثلوه تجسيدا للهوية القومية، ثم خلال السنتين اللثين أعقبتا خلعه عن العرش تركزت جميع جهودهم على ضرورة إعادته من المنفى، وجعلوا منه رمزا حيا للاستقلال. لقد أوقعوا أنفسهم بأنفسهم في الفخ، وعليهم الآن أن يتعاونوا معه. أما السلطان فعليه، إن أراد أن يحكم ، تكبيل يدي حزب الاستقلال المهيمن سياسيا.
لم يتردد محمد بن يوسف من أجل هذا العمل في أن يعقد حلفا مع كبار الإقطاعيين، أولئك الذين خلعوه بالذات، فقد وجد كل طرف في ذلك مصلحة له.

يتبع...